كلاكيت

مراجعة فيلم "القصص".. ممثل مصر في أوسكار 2027 بين جمال التفاصيل وارتباك الحكايات

«القصص» فيلم يحب السينما أكثر مما يسعى إلى إرضاء جمهور الشباك. يستحق المشاهدة لمن يقدّر الدراما الهادئة والتفاصيل البصرية واستعادة زمن مصر بين 1967 والثمانينيات؛ لكنه قد يترك من يبحث عن حبكة شديدة الإحكام أو شخصيات مكتملة التطور بشعور من النقص.

اختيار فيلم «القصص» لتمثيل مصر في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي 2027 لا يعني أنه صار مرشحًا نهائيًا للجائزة، لكنه يلفت النظر إلى عمل مختلف عن السائد في موسم السينما المصرية.

الفيلم، من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، لا يقدّم قصة حب عادية بقدر ما يستخدمها نافذةً على عائلة مصرية وعلى بلد يتغير من أواخر الستينيات حتى الثمانينيات.

هذه مراجعة لفيلم يملك صورة جميلة وملمسًا عاطفيًا صادقًا، لكن طموحه في احتواء تاريخ طويل وشخصيات كثيرة يجعله أقل تماسكًا مما توحي به أفضل مشاهده.

بطاقة فيلم «القصص»

دراما مصرية تمتد عبر سنوات من الذاكرة العائلية والتحولات العامة.

النوع دراما رومانسية وعائلية
المدة 120 دقيقة
التأليف والإخراج أبو بكر شوقي
البطولة أمير المصري ونيللي كريم
العرض في مصر 2026
وضع الأوسكار ممثل مصر في سباق 2027

اختيار الفيلم ممثلًا لمصر يعني دخوله مرحلة التقديم الرسمية لأفضل فيلم دولي، وليس حصوله على ترشيح نهائي للجائزة.

قصة فيلم القصص من غير حرق

يبدأ الفيلم في صيف 1967 مع أحمد، شاب قاهري يحلم بأن يصبح عازف بيانو محترفًا. تصله رسالة من إليزابيث، فتاة نمساوية تصبح صديقة مراسلة له، ثم تتحول المراسلات البطيئة بين القاهرة وفيينا إلى رابط عاطفي يوازي سنوات من تغيرات العائلة والبلد.

لا يجعل شوقي الحرب أو السياسة بطلاً منفصلًا للفيلم؛ هما موجودتان في الخلفية، داخل نشرات الراديو والتلفزيون وذكريات البيت وتفاصيل الحياة اليومية. لذلك لا يمشي «القصص» في خط واحد من بداية ثم أزمة ثم حل، بل ينتقل بين محطات من حياة أسرة واسعة، بينما تحاول علاقة أحمد وإليزابيث أن تبقى حية عبر المسافة والزمن.

الفكرة مستلهمة جزئيًا من قصة تعارف والدي شوقي، المصري والنمساوية، بالمراسلة في السبعينيات؛ لكنه يضيف إليها حكايات عائلية وشخصيات متخيلة، فلا ينبغي التعامل معه كسيرة ذاتية حرفية.

لماذا يمثل الفيلم مصر في الأوسكار؟

اختيار اللجنة المصرية للفيلم يضعه في المرحلة الأولى من سباق الأوسكار، لا في قائمة الترشيحات النهائية. هذه نقطة مهمة لأن اختيار ممثل الدولة يختلف عن إعلان المرشحين الخمسة. وأعلنت نقابة المهن السينمائية اختيار الفيلم رسميًا لتمثيل مصر في فئة أفضل فيلم دولي.

المعنى الأهم للاختيار أن «القصص» يقدم صورة قابلة للعرض عالميًا عن السينما المصرية: إنتاج مشترك، وفيلم يتعامل مع تاريخ مصر الحديث من داخل بيت متوسط الحال بدل الخطاب المباشر أو الملصقات الوطنية الكبيرة. وهو أيضًا ثاني فيلم لأبو بكر شوقي يمثل مصر في السباق بعد «يوم الدين».

لكن مكانة الفيلم الدولية لا تعفيه من النقد. فاختيار الأوسكار لا يمنح العمل حكمًا نهائيًا على جودته، بل يجعله مادة تستحق نقاشًا أوسع.

فيلم مصنوع للسينما أكثر من الشباك

«القصص» لا يخفي مراجعَه أو ذائقته. فيه شيء من اهتمام يوسف شاهين بالبلد حين يتسلل إلى حياة الناس، ومن حساسية داود عبد السيد تجاه الشخصيات التي لا تعرف تمامًا أين تقف من عالمها، ومعهما ميل رأفت الميهي إلى النبرة المركبة بين السخرية والحنين والغرابة الخفيفة.

هذا ليس اتهامًا للفيلم بتقليد أي منهم، بل وصف لطموحه: شوقي يريد صنع فيلم عن الذاكرة، لا منتجًا سهلًا يشرح كل شيء للجمهور. لهذا تبدو بعض مشاهده أجمل حين نأخذ وقتنا في تأملها، لا حين ننتظر منها أن تدفع الحبكة بسرعة إلى الأمام.

الإعلان الرسمي لفيلم القصص

الأزياء: حين يصبح الزمن مرئيًا

أقوى تفاصيل الفيلم هي الأزياء، وخصوصًا ملابس نيللي كريم. لا تظهر الشخصية بالملابس بوصفها زينة لحقبة قديمة، بل بوصفها جزءًا من تحوّلها ومن تبدل المناخ الاجتماعي من عقد إلى آخر.

الفروق في القصّات والخامات والألوان تساعد في فهم مرور الزمن حتى في اللقطات التي لا يشرح فيها السيناريو كثيرًا. هنا ينجح الفيلم في جعل الشكل حاملًا لمعنى: الشخصيات تكبر، وتتعلم أو تتكيف أو تخسر شيئًا من براءتها، ويظهر ذلك على أجسادها قبل أن يُقال في الحوار.

ضوضاء مقصودة قد تتحول إلى عائق

التصميم الصوتي في «القصص» حاضر بقوة: الراديو، التلفزيون، الشارع، كلام العائلة، والأصوات المحيطة لا تترك المشاهد في مساحة هادئة مريحة. الفكرة مفهومة؛ فالزمن العام يتدخل باستمرار في حياة الشخصيات، وكأن البيت نفسه لا يملك عزلًا حقيقيًا عن البلاد.

لكن تنفيذ هذه الفكرة قد يبدو مرهقًا أحيانًا. كثافة الضوضاء لا تضيف دائمًا توترًا دراميًا، وقد تغطي على لحظات كان الفيلم يحتاج فيها إلى مساحة أهدأ كي نسمع الشخصيات لا زمنها فقط. هذا عيب نسبي لا يلغي طموح هندسة الصوت، لكنه يفسر لماذا سيجدها بعض المشاهدين مؤثرة فيما سيصفها آخرون بالمزعجة.

أين تتعثر الحكايات؟

المأخذ الأوضح على الفيلم هو التصاعد الدرامي. تقسيمه إلى حكايات ومحطات متعددة يمنحه اتساعًا، لكنه يوزع اهتمامه على خطوط لا يحصل بعضها على الوقت الكافي للنمو أو الوصول إلى نهاية مرضية.

رسم الشخصيات يتأثر بذلك. توجد شخصيات يبدأ الفيلم في تقديمها كأن لها مسارًا مهمًا، ثم لا يمنحها ما يكفي من الاختبار أو التحول. ويبدو النقص أوضح في القصص النسائية؛ النساء لسن غائبات، بل يحملن حضورًا وأداءً وملامح بصرية قوية، لكن عمق دوافعهن وتطورهن أقل في كثير من الأحيان من الشخصيات الرجالية. مراجعة Cineuropa التقطت كذلك تفاوتًا في المساحة بين الشخصيات، بينما رأت مراجعات أخرى أن بعض الحكايات لا تكتمل بالقدر الذي يعد به الفيلم في بدايته.

كذلك، تبدو بعض الديكورات مرتبة أكثر مما ينبغي. ليست المشكلة في جمالها، بل في أن إحساس الزمن المعاد بناؤه يسبق أحيانًا إحساسنا بأن هذه البيوت مأهولة فعلًا بالناس.

أفيش فيلم القصص، صفحة Film Clinic على فيسبوك
أفيش فيلم القصص، صفحة Film Clinic على فيسبوك

هل حُذفت مشاهد سياسية من فيلم القصص؟

هناك ما هو أكثر من مجرد كلام متداول في هذه النقطة. فقد وثّق مقال للناقد حسام الخولي في رصيف22 اختلافًا بين نسخة عُرضت أولًا في جدة ونسخة العرض المصري لاحقًا: يقول المقال إن مشهدًا لحرق صورة الرئيس أنور السادات ضمن تمثيل انتفاضة الخبز، ومشهدًا آخر لدهس صورة الرئيس جمال عبد الناصر، لم يظهرا في النسخة المصرية. ويلفت أيضًا إلى مشهد في التريلر عن إخوة يرقصون مرددين «ونفدنا بجلدنا» ولم يظهر في النسخة التي شاهدها الكاتب في مصر.

هذه معلومة منسوبة إلى رصيف22، لا بيان رسمي من صناع الفيلم. فلا يوجد، حتى وقت كتابة المقال، تصريح معلن من المخرج أو المنتج أو جهة رقابية يشرح سبب الحذف أو يؤكده من جهتهم.

وهذا يضيف طبقة مهمة لفهم الفيلم: هو يستدعي السياسة في الأخبار والبث التلفزيوني ومحطات تاريخية بارزة، لكنه يبقيها غالبًا عند حافة الحكاية الشخصية. لذلك يصبح السؤال النقدي مشروعًا: هل يختار الفيلم الابتعاد عن السياسة عمدًا لصالح العائلة، أم أن النسخة المتاحة للمشاهدين ضيّقت هذا الحضور أكثر؟

هل يستحق فيلم القصص المشاهدة؟

نعم، إذا دخلته كتجربة درامية هادئة عن الذاكرة والعائلة والزمن، لا كفيلم رومانسي سريع أو ملحمة تاريخية شديدة الإحكام. ستجد عملًا واضح الحب للسينما، وأزياء ممتازة، وصورة لها حس، ومحاولة صادقة لفهم مصر من داخل حياة عادية.

لكن توقع أيضًا إيقاعًا متقطعًا، وحكايات لا تنال كلها ما تستحقه، وشخصيات نسائية كان يمكن أن تصبح أكثر امتلاءً. «القصص» فيلم فيه عيوب حقيقية، لكنها ليست من النوع الذي يمحو أثره؛ بالعكس، هي جزء من سبب الجدل حوله.

مناسب لمن

  • يحب أفلام الذاكرة والعائلات التي تمتد عبر سنوات طويلة.
  • يبحث عن فيلم مصري مختلف عن قالب الكوميديا التجارية أو الأكشن السريع.
  • يقدّر التفاصيل البصرية، والأزياء، والسينما التي تترك مساحة للتأمل.

قد لا يناسب من

  • ينتظر حبكة تتصاعد بلا توقف أو نهاية تحسم كل الخيوط.
  • ينزعج من الصوت المزدحم والإيقاع الهادئ نسبيًا.
  • يريد فيلمًا يساوي بوضوح بين كل الشخصيات والحكايات في العمق والمساحة.

الخلاصة

«القصص» لا يكتمل بالقدر الذي يريده طموحه، لكنه يترك أثرًا يتجاوز عيوبه. إنه فيلم عن مصر كما تعيشها أسرة، لا كما ترويها كتب التاريخ؛ عن حب يبدأ برسالة، وعن زمن يدخل البيت من الراديو والتلفزيون والملابس والضوضاء.

اختياره ممثلًا لمصر في أوسكار 2027 مفهوم؛ ليس لأنه فيلم بلا عيوب، بل لأنه يحمل رؤية سينمائية حقيقية وشخصية. وقد يكون هذا، في النهاية، أهم من أن يرضي الجميع.

نور صفوت

محررة في قسم كلاكيت بـ«كشيدة»، تهتم بالسينما والدراما والثقافة الشعبية، وتكتب مراجعات وموضوعات تفسيرية تجمع بين المتعة والدقة. تركز في أعمالها على تقديم سياق واضح يساعد القارئ على فهم العمل الفني قبل مشاهدته أو اتخاذ قرار متابعته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى