كلاكيت

من مايكل كورليوني إلى الجوكر.. لماذا نحب الشخصيات الشريرة؟

قد ترفض كل ما يفعله مايكل كورليوني، ومع ذلك تنتظر قراره التالي. وقد تتمنى أن يفشل الجوكر، لكنك لا تريد أن ينتهي المشهد الذي يظهر فيه. هذه المسافة بين موقفنا من الفعل واستمتاعنا بالشخصية هي أحد مفاتيح السؤال: لماذا نحب الشخصيات الشريرة؟

الانجذاب هنا قد يكون إعجابًا بالأداء، أو فضولًا تجاه شخصية يصعب توقعها، أو تعاطفًا مع دافع نفهمه رغم رفضنا للنتيجة. تجمع السينما هذه الاستجابات أحيانًا في شعور واحد نسميه «حب الشخصية»، مع أنها ليست شيئًا واحدًا.

مايكل كورليوني والجوكر مثالان مفيدان لأنهما يصلان إلينا بطريقين مختلفين. الأول نتابع خطوات تحوّله، والثاني يقتحم الحكاية ويزعزع قدرتنا على فهمه. ومن خلالهما يمكن أن نرى كيف تصنع الكتابة والتمثيل والإخراج جاذبية شخصيات لا نريد أن نكون ضحاياها.

تنبيه حرق: يتناول المقال أحداثًا ونهاية من «العراب» — The Godfather (1972)، وأحداثًا محورية من «فارس الظلام» — The Dark Knight (2008). والمقصود بالجوكر هنا نسخة هيث ليدجر تحديدًا. التحليل التالي قراءة نقدية لكشيدة، مع الاستعانة بمصادر بحثية وتصريحات موثقة حيث ترد.

هل نحب الشرير أم نحب مشاهدته؟

عندما نقول إن شخصية ما تعجبنا، قد نقصد أننا نستمتع بحضورها أو نفهم صراعها أو نرى فيها أداءً استثنائيًا. لا يلزم أن نتمنى انتصارها، وقد نرفضها أخلاقيًا ونقدّر في الوقت نفسه جودة بنائها.

يفيد هنا التمييز الذي يقدمه الباحث السينمائي موراي سميث في كتابه عن علاقتنا بالشخصيات: متابعة الشخصية والاطلاع على تجربتها أمر، وتقييمها والانحياز إلى قيمها أمر آخر. القرب الذي يمنحنا إياه السرد لا يحسم وحده موقفنا الأخلاقي.

قد يجعلنا الفيلم نعرف ما يخيف شخصًا، وننتظر معه خروجًا من مأزق، ثم يدفعنا إلى التراجع أمام ما يفعله بالآخرين. هذه الحركة بين القرب والرفض تمنح الشخصية تعقيدها، وتمنح المشاهدة توترًا يتجاوز سؤال من سيفوز.

ومايكل والجوكر مختلفان حتى في موقعهما داخل الحكاية: مايكل شخصية مركزية نتابع مسارها، بينما الجوكر خصم يضع باتمان والمدينة أمام اختبارات. كلمة «شرير» تصف أفعالهما هنا، لكنها لا تعني أنهما يؤديان الوظيفة الدرامية نفسها.

مايكل كورليوني: ندخل الحكاية قبل أن يكتمل التحوّل

البداية تمنحنا سببًا للاقتراب

في بداية «العراب»، يبدو مايكل أقرب إلى نافذتنا على العائلة منه إلى امتداد مؤكد لأعمالها. يجلس مع كاي، ويشرح لها عالمًا يعرفه دون أن يقدم نفسه بوصفه جزءًا مطابقًا له.

ثم تأتي محاولة اغتيال والده وما يتبعها من تهديد، فتنتقل الحكاية من مسافة الشرح إلى ضرورة اتخاذ موقف. وفي المستشفى، يصبح خوف الابن على أبيه مدخلًا إنسانيًا إلى شخصية ستتخذ لاحقًا قرارات يصعب الدفاع عنها.

هنا تكمن قوة البناء: التعرف على مايكل يبدأ قبل سلطته. يحمل المشاهد معه صورة الابن القلق حتى بعدما تتغير طبيعة الأفعال. وقد يجد نفسه يتابع بمنطق الخطر الذي يواجه العائلة، قبل أن يتوقف ليسأل عن الثمن الذي يدفعه الآخرون.

هذه قراءة لطريقة ترتيب الحكاية، وليست تبرئة للشخصية أو افتراضًا بأن كل مشاهد يتعاطف معها.

كل خطوة لها مبرر.. لكن الطريق له حصيلة

يستطيع مايكل تفسير اختياراته بلغة الحماية والضرورة. داخل عالم عنيف، يبدو تأجيل الرد مخاطرة، ويصبح استخدام القوة وسيلة لمنع خسارة أخرى.

لكن فهم المنطق لا يجعله كافيًا. السؤال النقدي الأهم هو ما يحدث عندما تتحول الضرورة إلى نظام دائم: هل ما زال يحمي العائلة، أم أصبح يستخدم اسمها لتوسيع سلطته؟

في تقديرنا، يتولد جانب من جاذبية الشخصية من هذا التحول المتدرج. لا يطلب الفيلم من المشاهد قبول زعيم مكتمل القسوة من أول لحظة؛ يتيح له متابعة سلسلة قرارات، ثم يضع أمامه ما صنعته مجتمعة.

وهذا سبب بقاء مايكل شخصية قابلة للنقاش: يمكن فهم نقطة انطلاقه، مع الاختلاف معه عند كل محطة لاحقة.

أداء آل باتشينو يجعل الصمت حدثًا

في قراءتنا لأداء آل باتشينو، تتشكل سلطة مايكل من الاقتصاد في الحركة والكلام بقدر ما تتشكل من القرارات. النظرة الثابتة والتوقف قبل الرد يدفعاننا إلى مراقبة ما لا يقوله.

يكتسب الصمت معنيين متداخلين: قد يبدو ضبطًا للنفس، وقد يبدو انغلاقًا متزايدًا. ما يثير الإعجاب بوصفه قدرة على التحكم في المشهد يمكن أن يثير الخوف بوصفه عجزًا عن التواصل.

بهذا المعنى، لا نتابع «ذكاء زعيم» فقط؛ نتابع وجهًا تصبح قراءته أصعب كلما ازدادت قوته. ويمنح الأداء التوتر مساحة للوجود من دون حاجة إلى خطاب يشرح كل تحول.

رسم رمزي يستلهم هدوء السلطة وجاذبيتها في شخصيات الجريمة، وليس تجسيدًا دقيقًا لمايكل كورليوني أو لقطة من «العراب» — إعداد كشيدة باستخدام ChatGPT؛ للاستخدام وفق شروط OpenAI.
رسم رمزي يستلهم هدوء السلطة وجاذبيتها في شخصيات الجريمة، وليس تجسيدًا دقيقًا لمايكل كورليوني أو لقطة من «العراب» — إعداد كشيدة باستخدام ChatGPT؛ للاستخدام وفق شروط OpenAI.

المونتاج يضع مبررات مايكل تحت الاختبار

يبلغ التناقض وضوحه في مشهد التعميد، حين يجاور المونتاج بين وجود مايكل في الكنيسة وعمليات القتل التي تستهدف خصومه. يوثق كتالوج معهد الفيلم الأمريكي هذا التداخل بين الطقس الديني والعنف.

في قراءتنا، تجبرنا هذه المجاورة على حمل الصورتين معًا: صورة المسؤول عن طفل داخل طقس عائلي، وصورة صاحب السلطة الذي يجري تثبيت نفوذه بالقتل. فلا تعود لغة العائلة وحدها كافية لشرح ما نراه.

ثم يأتي الباب الذي يُغلق أمام كاي في النهاية. يمكن قراءة اللقطة بوصفها حدًا يفصلها عن حقيقة عالمه، وعن المعرفة التي يحتفظ بها رجاله. لقد اقتربنا من مايكل طويلًا، لكن النهاية تمنح الإقصاء نفسه حضورًا بصريًا لا يمكن تجاهله.

إذا بدت الحكاية قصة نجاح في بلوغ السلطة فقط، تضيع منها هذه الخسارة. جاذبية الصعود لا تلغي أن الفيلم يرينا أيضًا ما يُغلق هذا الصعود الطريق إليه.

الجوكر: فضولنا يعمل من دون قصة تفسّره

غياب الماضي جزء من بنائه

في «فارس الظلام»، لا نتبع الجوكر منذ طفولته حتى ظهوره خصمًا لباتمان. نحصل على روايات متعارضة عن ندوبه، فلا نستطيع تثبيت ماضٍ واحد يمنحنا تفسيرًا مطمئنًا له.

هذا الغموض يغير طبيعة الانجذاب. مع مايكل نسأل كيف وصل إلى هنا؛ ومع الجوكر نسأل ماذا سيفعل الآن، وأي جزء من كلامه يمكن الوثوق به.

وقد شرح كريستوفر نولان في مقابلة عن الفيلم أنه أراد تقديم الجوكر بوصفه قوة للفوضى، وأن الإفراط في تفسير أصل بعض الأشرار قد يقلل من إثارتهم للاهتمام.

لا يحتاج المشاهد هنا إلى ماضٍ مؤلم كي ينجذب إلى الشخصية. قد تكفي الفجوة التي يتركها الفيلم عمدًا: شخص حاضر بقوة، لكن تفسيره يظل عصيًا على الإمساك.

يغيّر قواعد المواجهة

يجذب الجوكر الانتباه لأنه لا يكتفي بعرقلة البطل؛ يحاول تغيير نوع الاختبار الذي يواجهه. تصبح المواجهة مرتبطة بما يمكن أن يفعله باتمان حين تُضغط حدوده، وبما قد تفعله المدينة حين تخاف.

وتمنحه خططه حضورًا دراميًا لأنه يجبر الشخصيات الأخرى على الرد. نحن نتابع أثره في الحكاية حتى في لحظات غيابه.

لكن القدرة على تحريك الأحداث لا تثبت صحة أفكاره. يمكن أن تكون الشخصية خصمًا بارعًا ومصدرًا للتشويق، بينما يظل حكمها على البشر قابلًا للرفض.

ويظهر هذا الفارق بوضوح في اختبار العبّارتين: لا تنفذ المجموعتان القتل الذي يحاول دفعهما إليه. في قراءتنا، يضع الفيلم أمام يقين الجوكر لحظة مقاومة، بدل أن يحوّل خطاب الشخصية إلى الحقيقة النهائية عن الناس.

شخص متنكر في هيئة الجوكر — تصوير: Luca Volpi، عبر ويكيميديا كومنز. نسخة مقتصة من الأصل، بترخيص CC BY-SA 2.0، مع وجوب نسب الصورة للمصور ومشاركة أي تعديل عليها بالترخيص نفسه.
شخص متنكر في هيئة الجوكر — تصوير: Luca Volpi، عبر ويكيميديا كومنز. نسخة مقتصة من الأصل، بترخيص CC BY-SA 2.0، مع وجوب نسب الصورة للمصور ومشاركة أي تعديل عليها بالترخيص نفسه.

هيث ليدجر: قد نعجب بصناعة الخطر

يحمل أداء هيث ليدجر إيقاعًا مختلفًا عن هدوء مايكل: تغيرات الصوت، والوقفات، والحركات الصغيرة، وطريقة التعامل مع المسافة بينه وبين الآخرين. في تقديرنا، تنقل هذه التفاصيل إحساسًا بأن الشخصية قد تنتقل من المزاح إلى التهديد دون تمهيد مريح.

يمكن أن نستمتع بهذه القدرة التمثيلية ونخاف في الوقت نفسه من الشخصية التي تصنعها. وقد فاز ليدجر بأوسكار أفضل ممثل مساعد عن الدور في حفل 2009، وفق الأكاديمية.

وفي حديث مع برنامج Fresh Air، وصف نولان التوتر بين الاقتراب من طاقة الجوكر أثناء صنع الفيلم، وبين إدراكه أن الفوضى وانهيار النظام اللذين تمثلهما الشخصية مخيفان.

يفيد هذا التمييز في فهم استجابتنا أيضًا: قد يكون ما نحبّه هو الدقة التي صُنع بها الإحساس بالخطر، أو ما يتيحه المشهد من توتر، دون رغبة في تحويل ذلك الخطر إلى واقع.

هل نجد في الشرير شيئًا يشبهنا؟

هناك تفسير بحثي محتمل لبعض هذا الانجذاب. تقترح دراسة لريبيكا كراوس وديريك روكر، نُشرت عام 2020، أن السياق الخيالي قد يتيح انجذابًا إلى شخصيات سلبية يراها الناس شبيهة بهم، عندما يقل الإحساس بأن المقارنة تهدد صورتهم عن أنفسهم.

اعتمدت الدراسة على بيانات منصة للشخصيات الخيالية وتجارب لاحقة. لكنها لا تتيح استنتاج أن كل من يحب شريرًا يشبهه، أو أن تفضيل شخصية يكشف استعدادًا لارتكاب أفعالها.

يمكن أن يتعلق التشابه بالطموح أو الغضب أو الشعور بالتهميش، دون امتداده إلى الوسيلة التي تختارها الشخصية. كما قد ينجذب المشاهد إلى شخصية لا تشبهه أصلًا بسبب الغموض أو الأداء أو البناء الدرامي.

هذه زاوية تفسير محدودة إلى جانب زوايا أخرى، وليست اختبار شخصية للجمهور.

متى يتحول الإعجاب إلى قراءة تفوّت معنى الفيلم؟

يحدث ذلك عندما تصبح تبريرات الشخصية بديلًا عن النظر إلى ما تفعله. نسمع من مايكل ضرورة حماية العائلة، فننسى سؤال أثر سلطته فيها. ونسمع من الجوكر احتقارًا لأخلاق البشر، فنتجاهل اللحظات التي لا يتصرفون فيها كما توقع.

تساعد هنا إعادة النظر إلى من يحيطون بالشخصية. ما الذي تراه كاي؟ ما الخيارات التي تُنتزع من الآخرين؟ ومن يدفع ثمن خطة تبدو مبهرة من موقع صاحبها؟

ويفيد أيضًا وضع الجملة الشهيرة داخل المشهد الكامل. نبرة الممثل قد تمنح الكلام قوة، لكن هذه القوة لا تُغني عن اختبار مضمونه أمام ما تعرضه الحكاية.

ليس المطلوب أن نتوقف عن الاستمتاع بالأشرار، أو أن نحول كل مشاهدة إلى محاكمة. يكفي أن نحتفظ بالقدرة على الإعجاب بصناعة الشخصية، ومساءلة منطقها في الوقت نفسه.

لماذا يبقيان معنا بعد انتهاء الفيلم؟

في قراءة كشيدة، يجذبنا مايكل كورليوني لأن الحكاية تجعل تحوّله مفهومًا، ثم تتركنا أمام حصيلته. ويجذبنا جوكر هيث ليدجر لأن حضوره يربك التوقعات ويضع الشخصيات وأفكارها تحت الضغط، دون أن يقدم لنا تفسيرًا نهائيًا له.

قد نحب الشخصية بوصفها إنجازًا في الكتابة والأداء والإخراج. وقد نشفق عليها في لحظة، ونرفضها في أخرى، ونظل نريد فهمها.

ولعل السؤال الأدق بعد المشاهدة هو: ما الذي أعجبني تحديدًا؟ قدرة آل باتشينو على جعل الصمت مشحونًا؟ طاقة هيث ليدجر؟ مسار التحول؟ أم الفكرة التي تطرحها الشخصية؟ حين نميز بين هذه الأشياء، يصبح الحديث عن الأشرار أغنى من الاكتفاء بوصفهم رائعين أو أشرار.

ولخيارات أخرى بحسب مزاج المشاهدة، يمكنك الرجوع إلى أفلام غموض تدور في مكان واحد أو ترشيحات المسلسلات القصيرة.

نور صفوت

محررة في قسم كلاكيت بـ«كشيدة»، تهتم بالسينما والدراما والثقافة الشعبية، وتكتب مراجعات وموضوعات تفسيرية تجمع بين المتعة والدقة. تركز في أعمالها على تقديم سياق واضح يساعد القارئ على فهم العمل الفني قبل مشاهدته أو اتخاذ قرار متابعته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى