تريند

هل تسعى واشنطن لتغيير النظام الإيراني؟ خيارات ترامب العسكرية ومخاوف الانفجار الإقليمي

في كواليس السياسة الأميركية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجموعة من الخيارات تجاه إيران.

تتراوح بين ضربات محدودة تستهدف قيادات ومؤسسات أمنية، وبين سيناريوهات أوسع قد تطال برنامج الصواريخ الباليستية أو المنشآت النووية.

الهدف المعلن في دوائر القرار، بحسب مصادر متعددة تحدثت إلى رويترز، هو خلق ظروف تسمح بحدوث “تغيير في القيادة”، لا مجرد توجيه رسالة ردع عسكرية.

تأتي هذه النقاشات في أعقاب احتجاجات غير مسبوقة داخل إيران، قُمعت بعنف خلال الأسابيع الماضية، في واحدة من أكثر موجات القمع دموية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

ومع أن الإدارة الأميركية لم تحسم قرارها النهائي، فإن حجم التحركات العسكرية في المنطقة، بما في ذلك وصول حاملة طائرات أميركية وسفن مرافقة، يشير إلى أن خيار القوة بات حاضرًا بقوة على الطاولة.

لكن السؤال الجوهري الذي يتردد داخل واشنطن، كما في عواصم المنطقة، ليس فقط هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ بل ماذا سيحدث في اليوم التالي؟

بين “الضربة المحدودة” وتغيير المعادلة

مصدران أميركيان مطلعان على النقاشات قالا لرويترز إن ترامب يسعى إلى توجيه ضربات “مُلهِمة” للاحتجاجات، عبر استهداف قادة أمنيين ومؤسسات تُحمّلها واشنطن مسؤولية العنف ضد المتظاهرين.

الفكرة، بحسب هذه المصادر، تقوم على كسر حاجز الخوف لدى الشارع الإيراني، ومنح المحتجين ثقة أكبر في قدرتهم على السيطرة على مبانٍ حكومية وأمنية.

في المقابل، يدرس مستشارو ترامب سيناريو آخر أكثر اتساعًا، يتمثل في ضربة ذات أثر طويل الأمد، قد تستهدف الصواريخ الباليستية القادرة على بلوغ حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو منشآت تخصيب اليورانيوم.

إيران، وفقًا للمصادر، ترفض حتى الآن التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي، معتبرة إياه خط الدفاع الأخير في مواجهة إسرائيل.

ورغم التصعيد اللفظي، لم يتخذ ترامب قرارًا نهائيًا بشأن المسار العسكري، وفق مسؤول أميركي ومصدر مطلع على المداولات.

إلا أن وجود “أسطول بحري” أميركي في المنطقة، وصفه ترامب نفسه بأنه “أرمادا”، وسّع من خيارات التدخل، في حال قررت واشنطن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ.

قلق إقليمي.. هل تقوّض الضربات الاحتجاجات بدل دعمها؟

أكثر من عشرة مسؤولين ودبلوماسيين تحدثوا إلى رويترز أعربوا عن قلقهم من أن تؤدي أي ضربات أميركية إلى نتيجة عكسية.

أربعة مسؤولين عرب، وثلاثة دبلوماسيين غربيين، ومصدر غربي رفيع المستوى، أشاروا إلى أن الحركة الاحتجاجية داخل إيران ما زالت في حالة صدمة بعد القمع العنيف، وأن أي تدخل خارجي قد يمنح السلطات ذريعة لتشديد القبضة الأمنية بدل إضعافها.

الباحث أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، وصف الاحتجاجات بأنها “بطولية لكنها بلا غطاء عسكري”، مشيرًا إلى أن غياب انشقاقات واسعة داخل القوات المسلحة يجعل فرص التغيير السريع محدودة.

هذا التقييم يتقاطع مع خلاصات تقارير استخباراتية أميركية، أفادت بأن الظروف الاقتصادية والسياسية التي فجّرت الاحتجاجات لا تزال قائمة، لكنها لم تُحدث بعد تصدعات حاسمة داخل بنية النظام.

صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الكنيست، 13 أكتوبر 2025
صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الكنيست، 13 أكتوبر 2025

موقف إسرائيل.. القوة الجوية لا تكفي

مسؤول إسرائيلي رفيع، مطلع بشكل مباشر على التخطيط المشترك بين واشنطن وتل أبيب، قال لرويترز إن إسرائيل لا تعتقد أن الضربات الجوية وحدها قادرة على إسقاط النظام الإيراني، إذا كان هذا هو الهدف الأميركي.

“إذا أردت إسقاط النظام، فعليك وضع قوات على الأرض”، قال المسؤول، مضيفًا أن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، في حال حدوثه، لن ينهي النظام، إذ “سيظهر قائد جديد يحل محله”.

من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يمكن تغيير المسار السياسي لإيران إلا من خلال مزيج من الضغط الخارجي ووجود معارضة داخلية منظمة، وهو عنصر لا يزال ضعيفًا حتى الآن، رغم حالة السخط الشعبي والأزمة الاقتصادية العميقة.

تغيير قيادة أم إعادة إنتاج النظام؟

مصدر غربي مطلع على الإحاطات الدبلوماسية قال لرويترز إن الهدف الأميركي يبدو أقرب إلى “هندسة تغيير في القيادة” وليس إسقاط النظام بالكامل.

هذا السيناريو، بحسب المصدر، يشبه ما حاولت واشنطن تحقيقه في فنزويلا، حيث جرى استبدال الرئيس دون تفكيك كامل لبنية الدولة.

خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي، أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن “الأمل” يتمثل في انتقال مشابه إذا خرج خامنئي من المشهد، مع اعترافه بأن الحالة الإيرانية أكثر تعقيدًا بكثير.

حتى داخل الإدارة الأميركية، لا يوجد تصور واضح لمن قد يحكم إيران في حال غياب المرشد الأعلى.

أرقام الضحايا بين الروايات المتضاربة

خامنئي أقر بسقوط “عدة آلاف” من القتلى خلال الاحتجاجات، محمّلًا الولايات المتحدة وإسرائيل وما وصفهم بـ“المحرّضين” مسؤولية الاضطرابات.

في المقابل، قدّرت منظمة “هرانا” الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، عدد القتلى بـ5937 شخصًا، بينهم 214 عنصرًا أمنيًا، بينما تتحدث الأرقام الرسمية عن 3117 قتيلًا.

رويترز أكدت أنها لم تتمكن من التحقق المستقل من هذه الأرقام.

هذا التباين في الأرقام يعكس صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة داخل إيران، في ظل القيود الصارمة على الإعلام والمنظمات الدولية.

خامنئي حاضر لكنه أقل ظهورًا

في سن السادسة والثمانين، تراجع المرشد الأعلى عن الإدارة اليومية للدولة، وقلّص ظهوره العلني، ويُعتقد أنه يقيم في مواقع شديدة التحصين، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية التي أودت بحياة عدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين العام الماضي، وفق مسؤولين إقليميين.

إدارة الشأن اليومي انتقلت إلى شخصيات مقربة من الحرس الثوري، من بينها علي لاريجاني، المستشار البارز.

ومع ذلك، لا يزال خامنئي يحتفظ بالكلمة الفصل في قضايا الحرب، والخلافة، والاستراتيجية النووية، ما يجعل أي تغيير سياسي جذري مرهونًا بخروجه من المشهد.

زيارة واشنطن.. إسرائيل والسعودية على خط الأزمة

بالتوازي مع هذه التطورات، تستضيف واشنطن هذا الأسبوع مسؤولين كبارًا من إسرائيل والسعودية لإجراء محادثات حول إيران، بحسب موقع أكسيوس.

الوفد الإسرائيلي جاء حاملاً معلومات استخباراتية حول أهداف محتملة داخل إيران، بينما يسعى الجانب السعودي إلى تفادي اندلاع حرب إقليمية، ومحاولة فتح مسار دبلوماسي لخفض التصعيد.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الرياض لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها في أي هجوم على إيران، في موقف يعكس خشية دول الخليج من أن تكون أول من يدفع ثمن أي مواجهة.

عقوبات جديدة

في الأثناء، قال دبلوماسيون من الاتحاد الأوروبي، اليوم الخميس، لرويترز، إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اعتمدوا عقوبات جديدة على إيران تستهدف الأفراد والكيانات المتورطة في حملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين وفي دعم البلاد لروسيا.

ومن المتوقع أيضًا أن يتوصل الوزراء إلى اتفاق سياسي لإدراج الحرس الثوري الإسلامي الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية التابعة للتكتل، مما يضع الحرس الثوري في فئة مماثلة لفئة تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، ويمثل تحولاً رمزياً في نهج أوروبا تجاه القيادة الإيرانية.

وفق رويترز، يتمتع الحرس الثوري الإيراني، الذي تم إنشاؤه بعد الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 لحماية النظام الديني الشيعي الحاكم، بنفوذ كبير في البلاد.

حيث يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد والقوات المسلحة، كما تم تكليفه أيضًا بإدارة برامج الصواريخ الباليستية والنووية الإيرانية.

شبح “اليوم التالي”

دول الخليج، التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية، تخشى أن تكون أهدافًا مباشرة لأي رد إيراني، سواء عبر صواريخ أو طائرات مسيّرة، بما في ذلك هجمات محتملة من الحوثيين في اليمن.

السعودية وقطر وعُمان ومصر ضغطت على واشنطن لتجنب الضربة، إدراكًا منها أن الولايات المتحدة قد “تضغط على الزناد”، لكنها لن تتحمل وحدها تبعات الفوضى، وفق أكسيوس.

السيناريو الأكثر خطورة، وفق دبلوماسيين غربيين، يتمثل في تفكك داخلي واسع في إيران، قد يقود إلى حرب أهلية شبيهة بما حدث في العراق بعد 2003، مع تداعيات تشمل موجات لجوء، وتصاعد التطرف، وتهديد حركة النفط عبر مضيق هرمز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى