هل ترامب يتمتع بصحة عقلية جيدة؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم يكن Donald Trump رئيسًا تقليديًا، لا في خطابه ولا في حضوره العام.
ومع مرور عام 2025، بدأ سؤال بعينه يطفو على السطح داخل الإعلام الأمريكي والدولي.
هل ما نشهده من سلوكيات وتصريحات غير مألوفة يندرج ضمن أسلوب ترامب المعروف، أم أنه يعكس تراجعًا ذهنيًا أو جسديًا لرئيس يبلغ 79 عامًا ويتولى أعلى منصب في العالم؟
هذا التقرير الذي نشرنه الجارديان لا يسعى إلى تشخيص طبي، ولا إلى تبنّي خطاب دعائي.
بل يسعى إلى عرض الوقائع الموثقة، وردود الفعل الرسمية، والسياق السياسي والإعلامي الذي جعل من “الحالة الذهنية لترامب” ملفًا مفتوحًا في عامه الرئاسي الثاني.
خطاب “الإنجازات التاريخية” وبداية الأسئلة
في خطاب ألقاه من البيت الأبيض في ديسمبر، أعلن ترامب أن إدارته حققت خلال 11 شهرًا “تغييرًا إيجابيًا أكثر من أي حكومة في تاريخ الولايات المتحدة”.
مضيفًا: “لم يحدث شيء كهذا من قبل”.
التصريح، بحد ذاته، ينسجم مع نمط ترامب الخطابي المعروف بالمبالغة.
لكن ما أثار الانتباه لم يكن التقييم الذاتي، بل ما تلاه خلال العام من مواقف وتصريحات بدت، في نظر منتقديه، مرتبكة أو منفصلة عن السياق.
خلال مناسبات متعددة، ظهر ترامب وهو يفقد تسلسل الأفكار، ينتقل فجأة من موضوع سياسي إلى أحاديث جانبية عن الديكور الداخلي أو الحيوانات البحرية، أو يكرر مقاطع لغوية بلا رابط واضح.
هذه اللحظات، التي التقطتها الكاميرات وبُثت على نطاق واسع، أصبحت مادة دائمة في النقاش العام.
رواية “العم جون” واليونيبومبر
من أكثر الوقائع التي أُعيد تداولها في يوليو، حديث ترامب عن عمه الراحل جون ترامب، الأستاذ الجامعي.
وزعمه أنه درّس تيد كازينسكي، المعروف باسم “اليونيبومبر”، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
المشكلة هنا ليست سياسية، بل تاريخية بحتة.
جون ترامب توفي عام 1985، في حين لم تُكشف هوية كازينسكي كيونيبومبر إلا عام 1996.
إضافة إلى ذلك، لم يدرس كازينسكي في Massachusetts Institute of Technology من الأساس.
هذه التناقضات دفعت وسائل إعلام عدة، بينها The Guardian، إلى اعتبار القصة مثالًا على سرد غير دقيق لا يمكن تفسيره بالخطأ البسيط وحده.
“طواحين الهواء” والانتقال المفاجئ في الخطاب
لاحقًا، وخلال لقاء رسمي مع رئيسة المفوضية الأوروبية Ursula von der Leyen، كان من المفترض أن يناقش ترامب قضايا الهجرة.
لكن الرئيس الأمريكي انتقل فجأة إلى هجوم مطوّل على طاقة الرياح، مدعيًا، دون تقديم أدلة، أنها “تدفع الحيتان إلى الجنون” و”تقتل الطيور”.
خبراء البيئة أشاروا مرارًا إلى أن تأثير توربينات الرياح على الطيور محدود مقارنة بعوامل أخرى كاصطدامها بخطوط الكهرباء أو افتراس القطط المنزلية.
ورغم أن ترامب لطالما أبدى عداءً لمشاريع الطاقة المتجددة، فإن السياق والانتقال المفاجئ في الحديث عززا الانطباع بغياب التركيز.
خطاب السلالم
في سبتمبر، وخلال اجتماع مع كبار القادة العسكريين، عاد ترامب إلى مقارنة نفسه بالرؤساء السابقين، متوقفًا مطولًا عند طريقة نزولهم على السلالم.
انتقد Joe Biden بسبب “سقوطه المتكرر”، ثم انتقل إلى حديث مطوّل عن Barack Obama وكيف كان “ينزل السلالم بسرعة”.
الخطاب، الذي خرج عن أي إطار استراتيجي أو عسكري، أثار تساؤلات حول سبب تركيز الرئيس على تفاصيل شخصية في مناسبة رسمية رفيعة المستوى.
النوم في الاجتماعات وجدول العمل المختصر
من الوقائع التي وثّقتها الصحافة الأمريكية ظهور ترامب وهو يبدو نائمًا خلال اجتماعات رسمية، سواء في المكتب البيضاوي أو خلال اجتماعات وزارية ومؤتمرات صحفية.
صحيفة The New York Times أشارت إلى أن جدول ترامب اليومي بات أقصر من ولايته الأولى، إذ تبدأ معظم نشاطاته الرسمية عند الظهر وتنتهي بحلول الخامسة مساءً، مع تراجع عدد الظهورات الرسمية بنسبة 39%.
البيت الأبيض ردّ بأن “ليس كل اجتماعات الرئيس مُدرجة في الجداول الموزعة على الصحافة”، لكن ذلك لم ينهِ الجدل.
“أكثر الرؤساء صحة”
في مواجهة هذه الانتقادات، تبنّى البيت الأبيض خطابًا هجوميًا.
متحدثون رسميون وصفوا التقارير بأنها “حملات تشويه”، وأكدوا أن ترامب يتمتع بـ“حدة ذهنية لا مثيل لها”.
النائب الجمهوري روني جاكسون، الذي شغل سابقًا منصب طبيب ترامب، قال إن الرئيس هو “أكثر رئيس تمتّعًا بالصحة في تاريخ البلاد”.
ترامب نفسه تفاخر بأنه “اجتاز بامتياز” اختبارًا معرفيًا يُستخدم لرصد مؤشرات الخرف المبكر، دون نشر تفاصيل طبية كاملة عن نتائجه.
أخطاء لغوية وتعبيرات مثيرة للجدل
إلى جانب الارتباك في السرد، سجل عام 2025 عدة زلات لفظية أثارت انتقادات واسعة.
خلط ترامب بين ألبانيا وأرمينيا أثناء حديث عن مساعٍ دبلوماسية، وأدلى بتصريحات غامضة خلال مناقشة ملف التوحّد، تحدث فيها عن “عناصر من العبقرية يمكن منحها للطفل”.
في ديسمبر، أثارت تصريحاته عن مهاجرين صوماليين، وصفهم فيها بـ“القمامة”، موجة استنكار واسعة.
بينما صدم حتى بعض الجمهوريين حين ألقى باللوم على المخرج روب راينر في وفاته، في سياق بدا منفصلًا عن أي نقاش عقلاني.
أرقام لا يمكن تجاهلها
الجدل لم يبقَ في إطار النخب الإعلامية. استطلاع أجراه Pew Research Center في نوفمبر أظهر أن 56% من الأمريكيين يثقون “كثيرًا أو إلى حد ما” في الأخبار الوطنية، بانخفاض ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.
في الشهر نفسه، كشف استطلاع Gallup أن نسبة الرضا عن أداء ترامب بلغت 36%، وهي الأدنى في ولايته الثانية.
كما أظهر استطلاع YouGov أن نصف الأمريكيين يرون ترامب “كبيرًا في السن أكثر من اللازم” لتولي الرئاسة.
لطالما كان ترامب شخصية غير تقليدية في السياسة الأمريكية، وهو ما يجعل الفصل بين “الأسلوب” و”التراجع” أمرًا معقدًا.
أنصاره يرون في تصريحاته عفوية مقصودة، ورفضًا للخطاب السياسي المصقول. منتقدوه يرون نمطًا متصاعدًا من الارتباك وفقدان التركيز.
الحقيقة أن معظم الوقائع الموثقة لا تسمح بتشخيص طبي قاطع، لكنها تبرر استمرار السؤال، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث يخطط الديمقراطيون، بحسب تقارير إعلامية، لجعل ملف اللياقة الذهنية محورًا أساسيًا في حملاتهم.
مع اقتراب ترامب من عامه الثمانين، واستمرار ظهوره بسلوكيات تثير الجدل، يبدو أن التساؤلات حول سلامته الذهنية والجسدية لن تختفي.
البيت الأبيض يردّ بهجوم إعلامي وثقة مطلقة، بينما تشير الوقائع إلى رئيس يثير الانتباه ليس فقط بسياساته، بل بطريقة حضوره نفسه.
ما إذا كانت هذه الظواهر ستبقى في إطار الجدل الإعلامي، أم ستتحول إلى قضية سياسية مؤثرة، هو سؤال ستجيب عنه الأشهر المقبلة.



