موجة هجرة غير مسبوقة.. لماذا يغادر الإسرائيليون إلى أوروبا؟

في السنوات الأخيرة، شهدت إسرائيل موجة غير مسبوقة من الهجرة إلى الخارج، موجة تبدو مختلفة عن كل ما شهدته البلاد منذ تأسيسها.
فالرحيل هذه المرة، وفق واشنطن بوست، لا يرتبط بفرص اقتصادية فقط، ولا بتحولات عالمية أو بانفتاح أسواق جديدة، بل يتصل في جزء كبير منه بخوفٍ عارم من المستقبل، وانعدام الثقة بالقيادة السياسية، والقلق من اهتزاز المؤسسات، والانقسام الاجتماعي العميق الذي تفاقم بعد حرب غزة وما تبعها من اضطرابات أمنية وسياسية.
قصة أفراهام بيننفيلد، الشاب الذي وجد نفسه ممزقًا بين واجبه تجاه بلده ورغبته بمغادرتها، أصبحت مثالًا لما يعيشه كثيرون.
كان بيننفيلد قد اتخذ قرارًا واضحًا بمغادرة إسرائيل قبل أكتوبر 2023، متأثرًا بالمشهد السياسي المضطرب والاحتجاجات المتصاعدة ضد الحكومة آنذاك.
لكن هجوم السابع من أكتوبر قلب حياته تمامًا، ودفعه للعودة إلى الخدمة الاحتياطية بينما كان يبحث عن شقة خارج البلاد. خدمته في الجيش وقلقه على أشقائه ودائرته القريبة دفعاه لتأجيل مشروع السفر الكبير.
لكن بعد انتهاء القتال الرئيسي في غزة وبدء سريان وقف إطلاق النار، عاد بيننفيلد إلى نقطة البداية، واستعاد رغبته في الرحيل.
قال إنه بات يشعر أن حياته محاصرة بين صفارات إنذار محتملة، وتهديدات صاروخية من إيران، وتوتر عند الحدود الشمالية، وعدم يقين سياسي يجعل كل يوم أثقل من سابقه.
ويضيف أن المشكلة ليست في الخطر ذاته، بل في شعوره بأن كل شيء يحدث بلا رؤية واضحة، وبأن التضحيات «تذهب سدى». ولهذا اتخذ قراره النهائي بالانتقال إلى سويسرا لبدء دراساته ما بعد الدكتوراه في الفيزياء الفلكية.
بيننفيلد ليس حالة فردية
الأرقام الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي تشير إلى أن أكثر من 80 ألفًا من مواطني البلاد غادروها خلال عام 2024 وحده، وهو رقم غير مسبوق في سياق بلد يبلغ عدد سكانه عشرة ملايين نسمة.
والتقديرات تشير إلى أن عام 2025 يسير في الاتجاه نفسه.
اللافت أن هذه الهجرة ليست من فئة الباحثين عن وظائف أولية أو عمالة موسمية، بل من شريحة دقيقة ومؤثرة اقتصاديًا، موظفون في شركات التكنولوجيا، أكاديميون، أطباء، طلاب دراسات عليا، وأسر شابة تنتمي إلى الطبقة الوسطى المتعلمة، وهي الفئة التي تُعد محرّك النمو الاقتصادي في إسرائيل.
وبحسب متخصصين في علم الاجتماع، فإن معظم هؤلاء يميلون إلى العلمانية، ويصنفون أنفسهم في التيار الليبرالي أو اليساري، ويشعرون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ سياسيًا ومجتمعيًا.
ويحذر اقتصاديون من أن هجرة العقول هذه قد تكون لها آثار «تراكمية وخطيرة» على الاقتصاد الإسرائيلي خلال العقد المقبل.
فالعاملون في قطاع التكنولوجيا على محدودية عددهم يشكلون حوالي ثلث الإيرادات الضريبية في البلاد. وفقدان جزء محسوس من هذه الفئة سيخلق فجوة قد يصعب سدّها.
الضغوط السياسية والنفسية التي تدفع للهجرة
دافنا باتيشي-برايلوك، التي تدير وكالة متخصصة في مساعدة الإسرائيليين على الانتقال إلى الخارج، تقول إن حركة الهجرة دخلت مرحلة جديدة تمامًا.
قبل الحرب، كان معظم الراغبين بالمغادرة يبحثون عن ترقيات مهنية أو حياة أكثر هدوءًا، أما اليوم فعدد كبير يتصل بها بدافع الخوف والإرهاق النفسي.
تضيف أن الاتصالات تتزايد كلما وقع حدث أمني كبير، مشيرة إلى أن الهجوم الإيراني في يونيو الماضي حين سقطت عشرات الصواريخ على تل أبيب كان نقطة تحوّل لدى كثير من العائلات.
تفسّر باتيشي-برايلوك الأمر بقولها إن الناس يبحثون اليوم عن «استراحة»، يريدون أن يعيشوا عامين أو ثلاثة في مكان يستطيعون فيه التفكير بصفاء، بعيدًا عن أخبار الحرب والسياسة والاحتقان المستمر.
وتلفت إلى أن كثيرين يربطون قرار العودة بنتائج الانتخابات المقبلة، وكأنهم يمنحون البلاد «فرصة أخيرة» قبل اتخاذ قرار الهجرة الدائمة.
جوازات أوروبية و«هجرة مدروسة»
تدريجياً، نشأت مجتمعات صغيرة من الإسرائيليين في مدن أوروبية مثل برلين ولشبونة. يعود هذا جزئيًا إلى سياسات المواطنة التي انتهجتها بعض الدول الأوروبية خلال العقد الماضي، والتي سمحت لليهود من أصول ألمانية أو بولندية أو برتغالية باستعادة جنسية أجدادهم الذين طُردوا أو عانوا من الاضطهاد في القرون الماضية.
وقد استغل الكثيرون هذه السياسات للحصول على جوازات سفر ثانية فتحت لهم أبواب أوروبا.
في مجموعات التواصل الاجتماعي، يتداول الإسرائيليون نصائح حول المدارس والعمل والإيجار.
مجموعات مثل «إسرائيليون في ألمانيا» و«إسرائيليون في البرتغال» تضم عشرات الآلاف، وتشهد يوميًا منشورات لأناس يبحثون عن فرصة سكن، أو عمل، أو حتى نصيحة قانونية.
لكن رغم هذه الشبكات المساندة، لا تزال الهجرة عملية مؤلمة على المستوى الشخصي، ومشحونة بجدل ثقافي في إسرائيل.
ففي الثقافة العبرية، يُعرف المهاجر إلى إسرائيل بأنه «عليا»، أي «يصعد» إلى الوطن، بينما يُعرف المغادر بأنه «يوريد»، أي «ينزل» أو «يهبط». وهذه الثنائية تجعل الكثير من الشباب يواجهون شعورًا داخليًا بالذنب، وكأن مغادرة البلاد تخليٌّ عن واجب وطني.
خوف لا يهدأ بعد السابع من أكتوبر
بعد هجوم غزة في 7 أكتوبر 2023، أصبح الشعور بالخوف ملموسًا بشكل جماعي في المجتمع الإسرائيلي.
لم يكن الخوف هذه المرة مجرد توتر عابر، بل خوف وجودي. عاشت الأسر على وقع الأسئلة القاسية مثل كيف نخبر الأطفال بما حدث؟ كيف نمنعهم من رؤية مقاطع مؤلمة عبر الهواتف؟ هل يجب أن نحمل أدوات دفاع داخل المنزل؟ وهل باتت الحياة اليومية نفسها مُحاطة بتهديد دائم؟
هذا الخوف دفع كثيرين إلى إعادة تقييم كل شيء، المدرسة، العمل، السكن، وحتى فكرة الانتماء. بالنسبة لبعضهم، بدا أن إسرائيل لم تعد المكان الذي يضمن لهم الأمن أو الاستقرار.
قصص المغادرين
ديكل شاليف، التي كانت تقيم في مستوطنة بئيري القريبة من غزة، لا تحمل ترددًا في صوتها حين تتحدث عن الرحيل.
كانت من بين الناجين الذين اختبأوا لساعات طويلة مع أطفالها الثلاثة في 7 أكتوبر. التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا عليها، جعلتها تشعر أن حياتها لم تعد قابلة للاستمرار داخل إسرائيل.
شعورها بالعجز أمام فكرة حماية أطفالها دفَعها بعد أسابيع لإنهاء حملها الرابع، معتبرة أنها لا تستطيع تحمل فكرة رعاية طفل جديد في بلد لم تعد تثق بقدرته على حمايتها.
وبعد شهر واحد من الهجوم، حزمت حقائبها، واستقرت مع عائلتها في ولاية كولورادو الأميركية.
تقول إن الهدوء هناك أعطاها فرصة لالتقاط أنفاسها، لكنها لا تستطيع منع الشعور بالشوق والذنب.
وفي مدينة هامبورغ الألمانية، تعيش ميخال بار-أور حالة مختلفة.
انتقلت مع أسرتها إلى ألمانيا، لكنها لا تشعر بالاستقرار. ولدها يواجه صعوبة في اندماجه داخل المدرسة الألمانية، وهي تشعر بالوحدة، وتفكر دائمًا ما إذا كانت ستبقى في هامبورغ، أم تنتقل إلى برلين، أم تعود إلى إسرائيل.
تقول: «كل الأماكن تبدو لي غريبة. لم أعد أشعر بأن لي بيتًا واضحًا».
تأثيرات مستقبلية لا يمكن تجاهلها
تُجمع معظم التحليلات على أن هذه الموجة من الهجرة ستترك أثرًا طويل الأمد. فمن الناحية الاقتصادية، قد تنخفض قدرة إسرائيل على المنافسة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وقد تتسع الفجوات الاجتماعية بين من يبقون ومن يغادرون.
سياسيًا، غياب آلاف المنتمين إلى التيارات المعارضة قد يعزز الكتل اليمينية في الانتخابات.
اجتماعيًا، قد تزداد الهوة بين شرائح المجتمع المختلفة، خاصة مع تزايد الاستقطاب بعد الحرب.
ومع أن بعض المغادرين يؤكدون أن هجرتهم «مؤقتة»، فإن خبراء الهجرة يشكّون في ذلك، لافتين إلى أن كثيرين ممن غادروا خلال سنوات سابقة لم يعودوا، خاصة أولئك الذين نجحوا في الاندماج في دول أوروبية وأمريكية.
حكومة نتنياهو السبب
على مدار أكثر من عامين، خرج الإسرائيليون في مظاهرات ضد حكومة نتنياهو، تطالبهم بوقف العدوان على قطاع غزة، والانخراط في مفاوضات من شأنها إنهاء الحرب والإفراج عن المحتجزين، لكن الحكومة كان لها رأي آخر.
استمرت حكومة نتنياهو في التهرب من المفاوضات، أو تعقيدها، ماضية في قصف غزة.



