كيف تأهلت أصغر دولة في العالم لمونديال 2026؟

لم يكن مساء الثلاثاء ليلة عادية في كوراساو، تلك الجزيرة الصغيرة الواقعة في جنوب البحر الكاريبي، والتي لا يتجاوز عدد سكانها 156 ألف نسمة.
طوال عقود، اتخذت كوراساو لنفسها مكانًا متواضعًا في كرة القدم القارية، وظلت تُعرف بقدراتها المحدودة وبنيتها الرياضية المتواضعة، قبل أن تكسر كل التوقعات وتكتب اسمها في صفحات التاريخ بوصفها أصغر دولة في العالم من حيث عدد السكان تصل إلى كأس العالم، متجاوزة الرقم الذي احتفظت به آيسلندا حين تأهلت إلى مونديال روسيا 2018.
كان يكفي كوراساو أن تخرج بنقطة من مباراتها الأخيرة أمام جامايكا. ولم يكن ذلك أمرًا يسيرًا، بل كان اختبارًا حقيقيًا لصلابة فريق لم يسبق له أن وجد نفسه قرب هذه المسافة من الحلم. ومع غياب المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات عن اللقاء بسبب عودته المفاجئة إلى هولندا لأسباب عائلية، بدا أن المهمة مرشحة لمفاجآت غير سارة.
إلا أن المنتخب تعامل مع الضغوط بواقعية نادرة، ولعب المباراة بتركيز دفاعي كبير، لينتزع تعادلًا سلبيًا 0-0 ويعلن رسميًا دخوله تاريخ كأس العالم من أوسع أبوابه، وفق أسوشيتد برس.
من غياب المدرب إلى واقعية الميدان
شكل غياب أدفوكات عن المباراة الأخيرة مادة للكثير من النقاش قبل المباراة. فالمدرب الذي قاد هولندا في ثلاث فترات، وعمل في تجارب كبيرة شملت روسيا وبلجيكا وكوريا الجنوبية، كان حجرًا أساسيًا في إعادة تنظيم المنتخب الكوراساوي خلال الأشهر الماضية.
وقد ظهر تأثيره في الاستقرار الفني الذي حافظ عليه اللاعبون حتى في غيابه.
خاض المنتخب المباراة بوعي تكتيكي واضح، مدركًا أن التعادل يكفيه لتصدر مجموعته دون خسارة في أي مباراة.
ورغم الضغط الجامايكي المتواصل، خصوصًا في الشوط الثاني، ظل خط الدفاع متماسكًا، وتعامل مع العرضيات والكرات المباشرة بقدر كبير من الصبر والانضباط.
كادت جامايكا تسجل في الدقيقة 54 عبر رأسية غريغ لي التي اصطدمت بالقائم الأيمن، وهو الحدث الذي فتح الباب أمام سلسلة من الكرات الخطيرة.
لم يكتف المنتخب الجامايكي بمحاولة واحدة، إذ هز شمر نيكولسون العارضة في الدقيقة 70، بينما ارتدت كرة أخرى من القائم الأيمن قبل النهاية بثلاث دقائق. ومع ذلك، بقيت كوراساو صامدة، متمسكة ببطاقة التأهل التي انتظرتها أجيال عدة.
وفي الوقت القاتل، عندما حصلت جامايكا على ركلة جزاء محتملة بعد تدخل من جيريمي أنتونيزي، تدخلت تقنية الفيديو لإلغاء القرار، ليعود اللعب إلى النقطة التي بدأت منها كوراساو مساءها، التركيز وحده سيضمن الحلم.

جزيرة صغيرة… رقم قياسي كبير
لم يكن التأهل مجرد إنجاز رياضي، بل حدثًا يتجاوز الرياضة إلى رمزية سياسية واجتماعية.
فوفقًا لبيانات مكتب الإحصاء المركزي في كوراساو، يبلغ عدد سكان البلاد 156,115 نسمة فقط، ما يجعلها أصغر دولة سكانية تتأهل إلى كأس العالم في التاريخ الحديث.
ويكسر هذا الإنجاز رقم آيسلندا، التي دخلت مونديال 2018 بقرابة 350 ألف نسمة.
هذا الرقم يمنح كوراساو مكانة فريدة بين الدول الصغيرة التي شقت طريقها إلى البطولة الأكبر في كرة القدم.
ولعل المفارقة أن التأهل جاء في وقت تعاني فيه الكرة الكاريبية من تحديات فنية، بينما تشهد المنطقة نفسها صعودًا ملحوظًا لمنتخبات مثل هايتي وبنما، اللتين التحقتا أيضًا بركب المتأهلين في التصفيات ذاتها.
باناما… تأهل ثانٍ يؤكد التطور
انضمت بنما إلى كوراساو بعدما أنهت مشوارها في صدارة المجموعة الأولى، عقب فوز واضح على السلفادور بثلاثية نظيفة.
سجل سيزار بلاكمان الهدف الأول في الدقيقة 17، وأكد إيريك ديفيس التفوق بهدف ثانٍ قبل نهاية الشوط الأول، ثم أضاف خوسيه لويس رودريغيز الهدف الثالث في الدقيقة 85.
بهذا الانتصار، ضمنت بنما مشاركتها الثانية في المونديال، بعدما سبق لها الظهور في روسيا 2018، ما يعزز صورتها كمنتخب قادر على المنافسة في المنطقة، خصوصًا في ظل تصاعد مستوى عدد من لاعبيها المحترفين في الخارج.
هايتي… عودة بعد نصف قرن
قدمت هايتي واحدة من أكثر الحملات إثارة في التصفيات، بعدما تصدرت مجموعتها على حساب كوستاريكا وهندوراس، وهما اسمان تقليديان في المنافسة على بطاقات كأس العالم في المنطقة.
فوزها على نيكاراغوا بهدفين نظيفين أكد عودتها إلى المسرح العالمي للمرة الأولى منذ مشاركتها التاريخية في مونديال ألمانيا 1974.
سجل لويسون ديدسون الهدف الأول في الدقيقة التاسعة، وأضاف روبين بروفيدانس الهدف الثاني قبل نهاية الشوط الأول.
ولم تكن التوقعات تمنح هايتي فرصة كبيرة في المنافسة، لكن أداءها المستقر وانضباطها داخل الملعب جعلاها خصمًا صعبًا منذ بداية التصفيات حتى نهايتها.
ما بعد التأهل… الطريق نحو المكسيك
مع نهاية مباريات الثلاثاء، اكتمل عقد المنتخبات الستة المتجهة إلى الملحق القاري الذي سيقام في المكسيك في مارس المقبل، حيث ستتنافس منتخبات العراق (آسيا)، والكونغو (أفريقيا)، وجامايكا وسورينام (كونكاكاف)، وبوليفيا (أمريكا الجنوبية)، وكاليدونيا الجديدة (أوقيانوسيا) على بطاقتين إضافيتين إلى كأس العالم.
وبينما ضمنت كوراساو وبنما وهايتي مقاعدها بالفعل عبر التصفيات الرئيسية، تتحول الأنظار إلى المنتخبين اللذين سينجحان في الخروج من الملحق المزدحم والمفتوح على كل الاحتمالات.
من الناحية الرياضية، يمثل تأهل كوراساو تتويجًا لسنوات من محاولات إعادة تشكيل المشروع الكروي في الجزيرة. يعتمد المنتخب بشكل كبير على لاعبين ذوي جذور كوراساوية ولدوا أو تربوا في هولندا، وهو نموذج يشبه ما اعتمدته بعض الدول الصغيرة في العقود الأخيرة.
أما من الناحية المجتمعية، فقد ترك الإنجاز أثرًا كبيرًا على سكان الجزيرة، حيث احتفلت الشوارع طوال الليل. ووفقًا لعدد من التقارير الإعلامية المحلية، فإن الحكومة تفكر في تخصيص ميزانية جديدة لدعم الرياضة قبل المونديال.
كما بدأت وسائل الإعلام الهولندية بتسليط الضوء على التجربة، ليس فقط بسبب اسم ديك أدفوكات، ولكن لأن المشروع يستند إلى تراكم تدريجي شارك فيه مدربون وخبراء من أوروبا خلال السنوات الماضية.



