حياة

«تلف الدماغ الرقمي».. الوجه المرعب للذكاء الاصطناعي

في ربيع العام الماضي، أجرت الدكتورة شيري ميلوْماد، أستاذة التسويق في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، تجربة بسيطة بدت في ظاهرها تمرينًا في الكتابة، لكنها سرعان ما كشفت عن مفارقة عميقة في طريقة تعامل الإنسان مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

طُلِب من مجموعة تضم 250 مشاركًا كتابة نص قصير يقدم نصائح لصديق حول “أسلوب حياة صحي”. 

نصفهم استخدم بحث جوجل التقليدي، فيما اعتمد النصف الآخر على ملخصات آلية صاغها الذكاء الاصطناعي ضمن نتائج البحث نفسها.

النتيجة كانت صادمة، الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي قدّموا إجابات متكررة ومسطحة “تناول طعامًا صحيًا، اشرب الماء، نم جيدًا”. 

في حين أنتج من استخدموا البحث التقليدي نصوصًا أكثر عمقًا وتنظيمًا، تحدثت عن التوازن بين الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية.

تقول ميلوْماد “أنا قلقة فعلًا من جيلٍ كامل قد لا يعرف كيف يُجري بحثًا تقليديًا بعد الآن”، وفق نيويورك تايمز.

تلف الدماغ

حين اختارت جامعة أكسفورد مصطلح Brain Rot (تلف الدماغ) ليكون كلمة العام 2024، بدا الأمر أكثر من مجرد توصيف لغوي. 

فالعبارة، التي انتشرت أساسًا بين مستخدمي تطبيقات مثل تيك توك وإنستجرام، تحوّلت إلى تعبير عن حالة عقلية يشترك فيها ملايين الأشخاص، إرهاق ذهني ناتج عن الانغماس في محتوى سطحي ومكرر.

يُعرّف المصطلح اليوم بأنه “تدهور في القدرات المعرفية بسبب التعرض المستمر لمحتوى منخفض الجودة عبر الإنترنت”.

من سقراط إلى ChatGPT

السؤال القديم يعود بصيغة جديدة، هل تجعلنا التكنولوجيا أقل ذكاء؟

منذ أن حذّر سقراط من الكتابة باعتبارها تُضعف الذاكرة، مرورًا بمقال “هل يجعلنا جوجل أغبياء؟” الذي نشرته مجلة The Atlantic عام 2008، والجدل لا يتوقف. 

لكن اليوم، مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح القلق مدعومًا بأبحاث علمية.

دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أظهرت أن الطلبة الذين استخدموا ChatGPT في كتابة مقالات قصيرة سجلوا أدنى مستويات النشاط الكهربائي في الدماغ أثناء الكتابة، مقارنة بزملائهم الذين كتبوا اعتمادًا على البحث أو على ذاكرتهم فقط. 

والأدهى أن 83% منهم لم يتمكنوا من تذكّر جملة واحدة مما كتبوه بعد دقيقة واحدة فقط.

تقول الباحثة ناتاليا كوسمينا، قائدة الدراسة “إن لم تتذكر ما كتبته، فهل تشعر أصلًا بملكية ما تنتجه؟”.

حين تتحول الذاكرة إلى “ملف سحابي”

يُظهر هذا النوع من النتائج ما يسميه العلماء “الاستعانة الإدراكية الزائدة بالتقنية”، أي الميل إلى تفويض عمليات التفكير الأساسية للأدوات الرقمية.

ومع الوقت، يفقد الإنسان تدريجيًا مهارة البحث، والتحليل، والربط المنطقي، تمامًا كما تضمر العضلات حين تتوقف عن الحركة.

يقول أحد أساتذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا إن الاعتماد المستمر على الذكاء الاصطناعي “يحوّل التفكير من عملية نشطة إلى استهلاكٍ سلبي للمعرفة”.

الذكاء الاصطناعي ليس وحده في قفص الاتهام.

خلال العامين الأخيرين، سارعت ولايات أمريكية مثل نيويورك، فلوريدا، ولويزيانا إلى منع الهواتف الذكية في الفصول الدراسية بعد تزايد القلق من تأثير تيك توك وإنستجرام على التحصيل الدراسي.

تؤكد دراسة نشرتها مجلة JAMA Pediatrics في أكتوبر الماضي، قادها الطبيب جيسون ناغاتا من جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، أن الأطفال الذين يستخدمون وسائل التواصل لأكثر من ثلاث ساعات يوميًا يسجّلون أداءً أضعف في اختبارات القراءة والذاكرة والمفردات مقارنةً بأقرانهم الذين لا يستخدمونها إلا نادرًا.

يقول ناغاتا “كل ساعة يقضيها الطفل في التمرير، هي ساعة مسروقة من نشاط أكثر إثراءً مثل القراءة أو النوم”.

خسائر القراءة والفهم

تزامن هذا مع إعلان نتائج الاختبار الوطني لتقدّم التعليم في الولايات المتحدة (NAEP)، الذي كشف عن انخفاض غير مسبوق في معدلات الفهم القرائي لدى طلبة المرحلتين الإعدادية والثانوية، وهو الأول من نوعه منذ جائحة كورونا.

يشير الخبراء إلى أن تزايد زمن الشاشة وتراجع القراءة الورقية أسهما في إضعاف مهارات الفهم والتركيز.

لكن، هل الحل هو الانعزال عن التقنية؟ على العكس.

تُظهر أبحاث MIT نفسها أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح محفّزًا للتعلّم إذا تم في التوقيت الصحيح والطريقة المناسبة.

فعندما سمح الباحثون للطلاب الذين كتبوا مقالاتهم دون مساعدة آلية أن يستخدموا ChatGPT في مرحلة المراجعة فقط، ارتفعت مؤشرات النشاط الذهني لديهم إلى أعلى مستوى في التجربة كلها. 

أي أن الذكاء الاصطناعي يصبح مفيدًا عندما يُستخدم كأداة مراجعة لا كبديلٍ عن التفكير.

تشبّه كوسمينا ذلك بآلة حاسبة “يجب أن تتعلم الحساب أولًا، ثم تستخدم الآلة لتسريع العمل، لا لتفكيرك بدلًا منك”.

العودة إلى البحث “بالعين المجردة”

ترى ميلوْماد أن الخطر الأكبر في أدوات البحث التوليدية أنها “اختزلت عملية البحث النشط إلى ملخّص جاهز، فصارت المعرفة تُقدَّم بلا جهد أو تمييز”.

وتنصح بأن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي جزءًا من عملية البحث، لا كلّها، أن تُسأل الأداة عن معلومة دقيقة، تاريخ أو مصطلح، لكن تبقى القراءة الأصلية من مصادر موثوقة هي الطريق إلى الفهم العميق.

لا يمكن الجزم بأن التكنولوجيا وحدها مسؤولة عن “تلف الدماغ”، لكنها بلا شك تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى علاقتنا بالمعلومة.

إنها تجعل التعلم أسهل، لكنها تجعل التفكير أصعب.

ولذلك، كما تقول ميلوْماد، “الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للمعرفة، بل اختبارٌ جديد للإنسان، هل يملك الإرادة كي يظلّ هو من يفكر، لا من يُفكَّر له؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى