حياة

تحذير للآباء.. اعرف مخاطر «يوتيوب» على الأطفال

قبل أكثر من ربع قرن، حين ظهرت شخصيات «تيليتابيز» لأول مرة على شاشة «بي بي سي»، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول البرنامج الملوّن والبسيط، المخصص للأطفال دون سن الخامسة، إلى أيقونة ثقافية تُترجم إلى عشرات اللغات وتُعرض في كل القارات. 

ووراء هذا النجاح كانت تقف آن وود، المنتجة البريطانية التي كرّست حياتها لتطوير محتوى عالي الجودة للأطفال.

اليوم، تعود وود إلى الواجهة، ولكن ليس عبر برنامج جديد، بل عبر تحذير صريح موجه للآباء من المحتوى الذي يلتهمه الأطفال على منصات الفيديو القصير، خصوصًا يوتيوب، والذي تصفه بأنه “فارغ”، بلا قيمة تربوية أو جمالية، وبأنه يهدد الخيال الطفولي نفسه.

تقول وود، في مقابلاتها مع الصحافة البريطانية، إن الكم الهائل من الفيديوهات المخصّصة للأطفال على يوتيوب «لا يفعل شيئًا لتنمية التخيل»، وإن الكثير منها يُصنع وفق منطق الخوارزميات لا وفق “المسؤولية الفنية” للمبدعين المدربين. 

وتضيف: “الأمر مثير… لكنه لا يُستخدم دائمًا بمسؤولية تجاه الجمهور الصغير”.

هذا التحذير جاء بالتزامن مع نقاش أوسع تشهده بريطانيا حول مستقبل التلفزيون التعليمي، بعدما وصف الكاتب فرانك كوتريل-بويز أمام البرلمان كثيرًا من محتوى يوتيوب للأطفال بأنه يشبه “التخدير”.

هكذا بدأ يتشكل سؤال جوهري، هل يفقد الأطفال شيئًا عميقًا حين يستبدلون المحتوى المهني الموجه لهم بسيل لا ينتهي من الفيديوهات السريعة المصممة لجذب الانتباه؟

Teletubbies
Teletubbies

خوارزميات تسبق الفن: كيف تغيّرت بيئة الأطفال الرقمية؟

تشرح وود أن المشكلة ليست فقط في المحتوى نفسه، بل في طريقة إنتاجه.

ففي التلفزيون التقليدي، يخضع المحتوى لعمليات تطوير دقيقة، تشمل دراسات نفسية، وتجارب مجموعات، ومعايير تربوية صارمة.

أما على يوتيوب، فتحدد الخوارزميات – لا المبدعون – ما يُعرض وما يتصدر.

وتقول: “لقد تخلت المنصات عن المسؤولية الفنية… الأمر أصبح محركًا لجمع المشاهدات، لا لبناء الخيال”.

وترى أن هذا التحول كان نتيجة مسار طويل بدأ منذ عام 2003، عندما أُسقط الالتزام القانوني الذي كان يفرض على القنوات التجارية إنتاج محتوى للأطفال.

وجعل هذا التغيير برامج الأطفال أقل ربحية، وأكثر هشاشة، وأكثر اعتمادًا على السوق بدلاً من الرؤية الثقافية.

وتضيف وود أن مثل هذا الانهيار التدريجي أدى إلى تجاهل قيمة المحتوى الذي صُنع بشكل احترافي، حتى وإن كان، كما في حالة «تيليتابيز»، قد حقق أرباحًا ضخمة لـ«بي بي سي»، وهو أمر تقول إنه “منسي اليوم”.

هل كانت «تيليتابيز» فعلًا “تبسيطًا مخلًا”؟

من المفارقات أن «تيليتابيز» نفسها تعرضت لاتهامات بأنها تبسيطية أو «غامضة أكثر مما يجب» عند عرضها لأول مرة في 1997.

لكن لاحقًا، أظهرت دراسات أكاديمية أن بنية البرنامج القائمة على التكرار والإيقاع الصوتي واللعب اللغوي، ساعدت الأطفال على تطوير مهارات الكلام والاستيعاب.

تعترف وود بأن “الكثيرين لم يفهموا تيليتابيز”، لكنها تؤكد أن النقطة المركزية كانت دائمًا هي مقابلة الطفل حيث هو، لا حيث يظن الكبار أنه يجب أن يكون.

وتشرح: “في التلفزيون، يمكنك أن تعكس للطفل تجربته بطريقة كوميدية لطيفة… إذا ضحك الطفل فهو يبني ثقته بذاته”.

وترى أن السر يكمن في التفاصيل؛ إيقاع المونتاج، مدة اللقطة، نمط التفاعل.

وتقول: “هناك فن حقيقي في المونتاج الموجّه لثلاثة أو خمسة أعوام… عليك أن تمنح الطفل وقتًا ليستوعب”.

هذا بالضبط ما ترى أنه مفقود في المحتوى السريع على منصات الإنترنت، حيث تتلاحق المشاهد بلا توقف، ويُترك الطفل مجرد متلقٍ سلبي.

كوكوميلون
كوكوميلون

خطر الإشباع اللحظي: حين تحلّ الإلهاءات محلّ الخيال

أحد أكثر الانتقادات وضوحًا التي توجهها وود لمنصات مثل يوتيوب هو أن الخوارزميات “تضرب قدرة الطفل على بناء الخيال”.

فالفيديوهات المصممة لجذب الانتباه عبر الألوان الساطعة والإيقاع المتسارع، مثل “كوكوميلون”، قد تكون مفيدة لتهدئة الطفل لفترة قصيرة، لكنها تتحول إلى إدمان صغير عندما تصبح هي المحتوى الأساسي الذي يتعرض له.

تقول وود: “هذه الفيديوهات تساعد الوالدين في لحظات الانشغال… لكن لا أعرف ما الذي تزيحه في المقابل من حياة الطفل”.

ويشير خبراء الإعلام إلى أن كثيرًا من قنوات الأطفال على يوتيوب تُدار بمنطق الربح الخالص، وغالبًا ما تنتج محتوى متكررًا أو مستنسخًا، بلا أي هدف تربوي أو جودة فنية.

كوني هوك: “الأطفال سيختارون السكر إن تركناهم بلا توجيه”

وتتفق مقدمة برنامج “بلو بيتر” الشهيرة، كوني هوك، مع وود.

فمن وجهة نظرها، يقدّم يوتيوب جميع الخيارات، الجيد والرديء، لكن الطفل بطبيعته سيختار الأسهل.

وتقول: “إذا قلت لطفل إنه يمكنه تناول السكر في كل وجبة… سيفعل ذلك. المحتوى أيضًا هكذا”.

وترى هوك أن المشكلة لا تتعلق بالأطفال فقط، بل بالبالغين أيضًا: “نحن أيضًا نختار الإشباع اللحظي… ضغطة، تمرير، ضحكة سريعة”.

غير أن هوك تذهب أبعد من ذلك، معبرة عن قلق من اتجاهات جديدة في الإعلام البريطاني، حيث أصبح المحتوى الموجه للأطفال يعاني من نقص التمويل، ومن تدني المكانة المهنية مقارنة بمحتوى البالغين.

وتقول بأسى: “الناس يرون أن برامج الأطفال شيء ثانوي… بينما هي أهم بكثير لأنها تشكل جيل الغد”.

الآباء لا يعرفون دائمًا كيف يختارون

وتوضح سونيا ليفينغستون، مديرة مركز مستقبل الأطفال الرقمي في «كلية لندن للاقتصاد»، أن الأدلة العلمية واضحة، الأطفال يستفيدون من المحتوى الإبداعي والتعليمـي عالي الجودة.

لكن المشكلة أن الآباء لا يملكون دائمًا مفاتيح التمييز.

وتقول: “مشكلة يوتيوب ليست دائمًا في المحتوى نفسه، بل في الشكل… في الضغط المستمر للإبقاء على الطفل أمام الشاشة”.

فالخوارزميات مُصممة للاحتفاظ بالانتباه قدر الإمكان، حتى بعد أن يفقد الطفل اهتمامه الطبيعي.

هذه البيئة الرقمية “المضخّمة” تشوه الحافز الداخلي لدى الطفل، وتمنعه من الانتقال إلى أنشطة أخرى، كاللعب الحر، أو التخيل، أو الملل الخلّاق الذي يشكل جزءًا أساسيًا من نمو العقل.

من سيحمي المحتوى عالي الجودة؟

تتلاقى كل هذه التحذيرات عند قناعة واحدة، أن محتوى الأطفال عالي الجودة يعاني من تراجع عالمي.

فعلى مدى سنوات، تراجعت ميزانيات الإنتاج، وانسحبت القنوات التجارية من الاستثمار في هذا المجال، وأصبح السوق يهيمن عليه نموذج الربح السريع.

وتوضح وود أن هذا الوضع “غير طبيعي” لأن الأطفال ليسوا مجرد جمهور آخر، بل هم فئة تحتاج إلى حماية تربوية وجمالية.

اليوم، تتحول معظم المنصات إلى «اقتصاد الانتباه»، حيث تُقاس قيمة المحتوى بالثواني التي يُجبر فيها الطفل على البقاء أمام الشاشة.

وفي هذا السباق، يخسر المحتوى المهني المدروس أمام محتوى سهل وسريع ومصمم لأعلى عائد إعلاني.

ما الذي يجب على الآباء فعله؟

لا تقدّم وود وصفة جاهزة، لكنها تشير إلى عدة مبادئ أساسية:

  • مراقبة الوقت الذي يقضيه الأطفال على المنصات.
  • اختيار برامج مهنية موثوقة بدل الاعتماد على الخوارزميات.
  • تشجيع الأطفال على اللعب الحقيقي، لا اللعب الافتراضي.
  • التمييز بين المحتوى المهدئ والمحتوى البنّاء.

لكنها تعود لتؤكد أن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون فرديًا فقط “نحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسساتية لإعادة الاعتبار لمحتوى الأطفال… ما يفقده الجيل اليوم لن يمكن تعويضه غدًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى