مراجعة فيلم The Odyssey.. هل صنع كريستوفر نولان ملحمة بصرية على حساب روح هوميروس؟

ليس السؤال في فيلم The Odyssey هل يستطيع كريستوفر نولان تقديم صورة مبهرة؟ هذا محسوم تقريبًا منذ دقائق الفيلم الأولى. السؤال الأهم هل ينجح هذا الإبهار في حمل روح أوديسة هوميروس، برحلتها الطويلة عن العودة والحنين والخداع والخسارة؟
ينجح الفيلم كملحمة سينمائية ضخمة تستحق الشاشة الكبيرة، لكنه لا يصل بالقدر نفسه إلى عمق الرحلة الإنسانية التي جعلت النص الأصلي حيًا حتى اليوم. ستخرج من القاعة منبهرًا بحجم التجربة، لكنك قد لا تحمل معك من أوديسيوس وبيته ورحلته ما كنت تتوقعه من فيلم يستند إلى واحدة من أشهر ملاحم الأدب.
الخلاصة في دقيقة: فيلم The Odyssey
ملحمة بصرية تستحق الشاشة الكبيرة، لكن عمقها السردي أقل من طموحها التقني.
ما نجح فيه الفيلم
صورة آسرة، وصوت قوي، وتجربة مناسبة جدًا للعرض على IMAX الرقمي، مع حضور مقنع لمات ديمون.
ما كان ينقصه
عمق روحي وسردي أكبر، واستثمار أفضل لبعض الشخصيات، ولغة أكثر انسجامًا مع عالم الملحمة.
مناسب لمن يريد مغامرة أسطورية ضخمة في السينما. أما من ينتظر اقتباسًا ينفذ بعمق إلى روح هوميروس، فليدخل بتوقعات متوازنة.
ملحمة مصنوعة للشاشة الكبيرة
منذ البداية، يراهن نولان على أن تشعر باتساع العالم أكثر مما يشرح لك تفاصيله. البحر ليس خلفية، بل قوة تبتلع السفن والأشخاص. والجزر والكائنات الأسطورية لا تُقدَّم كمحطات مغامرة لطيفة، بل كتهديدات تكبر فوق الإنسان وتُصغّره.
هذه اللغة البصرية هي أعظم مزايا الفيلم. تصميم المشاهد، والاعتماد على المواقع المفتوحة، والصوت، وحركة الكاميرا، كلها تجعل The Odyssey تجربة سينمائية حقيقية لا مجرد قصة ضخمة نُقلت إلى الشاشة.
لكن المشكلة أن الفيلم يقع أحيانًا في أسر هذه القوة نفسها. بعض المشاهد تُبنى لتُدهشك بحجمها وإتقانها التقني أكثر مما تُبنى لتدفع الشخصية أو القصة إلى نقطة جديدة. لا يصبح الاستعراض فارغًا، لكنه يزاحم الدراما في لحظات كان يمكن أن تمنح الرحلة ثقلًا أكبر.

تجربة IMAX في مصر: قوية، لكنها ليست IMAX 70mm
شاهد الكاتب الفيلم في قاعة Premiere IMAX Zayed في سينما أمريكانا بلازا، وكانت التجربة أفضل بوضوح من عرض تقليدي؛ الشاشة الكبيرة والصوت يمنحان البحر والمواجهات والعالم الأسطوري حضورًا جسديًا مناسبًا لطموح الفيلم.
لكن من المهم الدقة هنا؛ قاعات IMAX في مصر لا تعرض نسخة IMAX 70mm الفيلمية الكاملة، وهي صيغة نادرة جدًا لا تتوافر إلا في عدد محدود من القاعات حول العالم. العرض في مصر رقمي، وقد يعتمد على تقنيات رقمية أو ليزر بحسب القاعة؛ فمثلًا تعلن Scene Cinemas في District 5 عن تقنية IMAX with Laser.
لذلك، لا يصح وصف التجربة المصرية بأنها IMAX 70mm، حتى لو كان The Odyssey صُوّر لهذه الصيغة. هذا لا ينتقص من جودة العرض؛ بل يضعها في وصفها الصحيح: IMAX رقمي قوي ومناسب للفيلم، لا العرض الفيلمي الكامل الذي يُعرض في قاعات متخصصة خارج مصر.
أوديسيوس أقل مراوغة مما ينبغي
يقدم مات ديمون أوديسيوس بوصفه رجلًا استنزفته الحرب والسنوات، وهو اختيار يمنح الشخصية صلابة وحضورًا. ترى فيه قائدًا عنيدًا يريد العودة إلى إيثاكا مهما طال الطريق، لا بطلًا خارقًا لا يمسه الخوف أو التعب.
لكن أوديسيوس عند هوميروس ليس محاربًا فقط؛ إنه رجل الحيلة واللغة والتخفي والمناورة. الفيلم يختار الجانب الأكثر خشونة وجرحًا من الشخصية، ويقلل من حضور جانبها الأكثر خصوصية: الذكاء المراوغ الذي يجعلها تتبدل باستمرار بين المحارب والناجي والمخادع والزوج.
هي قراءة مشروعة، لكنها تجعل الرحلة أحيانًا أكبر من الرجل الذي يقودها. نرى المخاطر بوضوح، بينما لا نصل دائمًا إلى التحول الداخلي الذي ينبغي أن تخلقه تلك المخاطر.
لغة حديثة تصطدم بعالم أسطوري
تأثر الفيلم بقراءة حديثة لملحمة هوميروس، ومنها ترجمة إميلي ويلسون الإنجليزية، التي اختارت لغة مباشرة وقريبة من القارئ المعاصر بدل النبرة المتحفية. نولان نفسه تحدث عن اهتمامه بطريقتها في قراءة أوديسيوس.
لكن ما يصلح في ترجمة أدبية قد لا يخدم دائمًا مشهدًا سينمائيًا يريد أن ينقلك إلى العصر البرونزي. بعض المصطلحات أو الصياغات الحديثة تبدو غريبة وسط عالم الفيلم البصري، فتقطع الإحساس بالزمن والأسطورة.
لا يحتاج الفيلم إلى حوار متكلف أو لغة قديمة صعبة، لكن المطلوب هو انسجام النبرة. فالصورة تبذل جهدًا كبيرًا لإقناعك بأنك في عالم بعيد وغامض، ثم يأتي الحوار في لحظات ليعيدك إلى حساسية معاصرة أكثر من اللازم.

طاقم كبير، ومساحات درامية غير متساوية
يحشد The Odyssey أسماء كبيرة، لكن الفيلم لا يمنح الجميع المساحة التي يبررها هذا الحشد. بعض الممثلين يتركون أثرًا واضحًا، فيما يبدو آخرون وكأنهم يمرون داخل الفيلم بدل أن يعيشوا فيه.
لوبيتا نيونغو من أبرز الأمثلة. حضورها محدود وخاطف، ولا يمنحها السيناريو فرصة حقيقية لبناء شخصية ذات أثر درامي يوازي موهبتها. المسألة ليست عدد دقائق فقط، بل غياب الوظيفة العاطفية أو السردية التي تجعل وجودها ضروريًا.
هذا أحد آثار الفيلم المزدحم: نولان يريد تقديم عالم كامل، لكنه يمر على بعض سكانه بسرعة لا تسمح لهم بأن يصبحوا أكثر من لمحات.

سينون: تعديل لا يضيف بالقدر الكافي
يُدخل الفيلم شخصية سينون إلى الحكاية، رغم أنها ليست من الأوديسة الأصلية لهوميروس، ولا تظهر في الإلياذة أيضًا. أشهر حضور لها في الإنيادة لفيرجيل، ضمن قصة حصان طروادة.
لا مشكلة في أن يتصرف نولان بحرية مع المصدر؛ فالفيلم ليس مطلوبًا منه أن يكون نسخة مصورة من النص. لكن كل إضافة تفتح سؤالًا: هل تساعدنا على فهم أوديسيوس أو معنى رحلته بصورة أعمق؟
في حالة سينون، تبدو الإضافة أقرب إلى توسيع أحداث طروادة ومنحها بعدًا دراميًا إضافيًا، لا إلى عنصر يعيد تشكيل جوهر الرحلة. ومع اختصار الفيلم أجزاءً مهمة من الملحمة، يصبح من الصعب ألا نسأل: هل كانت هذه المساحة ستخدم شخصيات الأوديسة نفسها بصورة أفضل؟
أين روح الأوديسة؟
في أصلها، ليست الأوديسة حكاية وحوش وبحر فقط؛ إنها قصة إنسان يريد العودة إلى اسمه وبيته وعائلته، ويكتشف أن العودة نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا بعد كل ما مر به.
يلتقط الفيلم المغامرة ببراعة، ويلتقط الخطر بعظمة، لكنه لا يلامس دائمًا حنين الأوديسة وطبقاتها النفسية بالعمق الكافي. توجد لمحات مؤثرة عن الغياب والعائلة، لكنها لا تتراكم لتصبح القلب الذي تنبض به الرحلة.
لهذا تبقى بعض الصور والمواجهات الأسطورية أكثر رسوخًا في الذاكرة من التحول العاطفي للرجل الذي يمر بها. وهذا هو الفارق بين فيلم عظيم بصريًا وفيلم عظيم في جوهره.
هل يستحق فيلم The Odyssey المشاهدة؟
نعم، خصوصًا في قاعة IMAX رقمية. الفيلم متقن، جريء، ومصمم ليبرر الذهاب إلى السينما بدل انتظار عرضه على شاشة منزلية. ومن يبحث عن مغامرة أسطورية كبيرة وصناعة تقنية على أعلى مستوى سيجد ما يريده.
لكن من ينتظر عملًا بعمق Oppenheimer الدرامي، أو اقتباسًا يضيف إلى روح هوميروس بقدر ما يضيف إلى صورها، ينبغي أن يدخل بتوقعات متوازنة.
The Odyssey فيلم ضخم ومبهر، لكنه يختار أحيانًا أن يكون ملحمة تُرى أكثر من كونه رحلة تُعاش.
الحكم النهائي
نجح كريستوفر نولان في صنع تجربة بصرية استثنائية، واستخدم العالم الأسطوري بطريقة تجعل الشاشة الكبيرة ضرورة حقيقية. لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في منح الحكاية العمق الروحي والسردي الذي يوازي قوتها التقنية.
هو فيلم يستحق المشاهدة، ويستحق IMAX الرقمي، لكنه ليس في رأيي أعمق أعمال نولان ولا الاقتباس الأكثر نفاذًا إلى روح هوميروس.
لمن يناسب الفيلم؟
يناسب محبي أفلام كريستوفر نولان، والملحمات التاريخية والأسطورية، وكل من يريد تجربة سينمائية ضخمة على شاشة كبيرة.
ومن قد لا يناسبه؟
قد لا يرضي المشاهد الذي ينتظر اقتباسًا أكثر وفاءً لروح هوميروس، أو فيلمًا يعطي الشخصيات وطبقاتها النفسية مساحة أكبر من المؤثرات البصرية.



