بزنس

من الدفاع عن الديمقراطية إلى طرد مئات الصحفيين.. تفاصيل أزمة واشنطن بوست

لم يكن شعار “الديمقراطية تموت في الظلام” مجرد كلمات رنانة تزين ترويسة صحيفة “واشنطن بوست”، بل كان عهداً قطعته الصحيفة العريقة على نفسها منذ اشتراها الملياردير جيف بيزوس في عام 2013.

لكن الظلام هذه المرة لم يأتِ من السلطة السياسية التي اعتادت الصحيفة مقارعتها، بل تسلل من دفاتر الحسابات وممرات غرفة الأخبار التي باتت خالية.

في فبراير 2026، استيقظ العالم الصحفي على مشهد قاسم؛ مئات الصحفيين والمهنيين يغادرون مكاتبهم في أكبر عملية تسريح تشهدها الصحيفة منذ عقود، في إشارة واضحة إلى أن حتى “عمالقة الصحافة” ليسوا بمأمن من رياح التغيير العاتية في اقتصاد الانتباه الرقمي.

هذه الأزمة ليست مجرد “قصة عمالية” عابرة، بل هي مرآة تعكس أزمة الصحافة الورقية والرقمية في آن واحد، وتطرح تساؤلاً جوهرياً؛ إذا كانت مؤسسة يملكها ثالث أغنى رجل في العالم تخسر المال وتطرد موظفيها، فمن الذي سيبقى صامداً؟

لماذا الآن؟ تشريح الأزمة المالية

لفهم سبب قيام “واشنطن بوست” بتسريح مئات الموظفين، يجب العودة قليلاً إلى الوراء.

بعد سنوات من الازدهار خلال عهد ترامب، حيث تضاعفت أرقام المشتركين بسبب الشغف بمتابعة كواليس البيت الأبيض، دخلت الصحيفة في حالة من “الركود التحريري” عقب هدوء العاصفة السياسية.

تكمن المشكلة الأساسية في أن الصحيفة فقدت نحو 500 ألف مشترك رقمي منذ ذروتها في عام 2020، وهو ما انعكس في خسائر مالية فادحة قُدرت بنحو 100 مليون دولار في نهاية عام 2023 وحده.

الصحيفة، كما أشارت التقارير الدولية ومنها تقرير “رويترز” الأخير، وجدت نفسها أمام هيكل إداري وتوظيفي “متضخم” صُمم لخدمة مرحلة نمو لم تعد موجودة.

جيف بيزوس، الذي ضخ مئات الملايين في البداية لتحديث البنية التكنولوجية، بدا أنه يغلق “صنبور الإنفاق” المفتوح، مطالباً الصحيفة بأن تكون مشروعاً تجارياً رابحاً أو على الأقل متوازناً، بدلاً من كونها مجرد مشروع “وجاهة” أو تأثير سياسي خاسر.

من هم ضحايا المقصلة؟

عملية التسريح لم تكن عشوائية، لكنها كانت مؤلمة بشموليتها.

طالت قرارات الفصل حوالي 360 موظفاً، أي ما يقرب من 15% من القوة العاملة في الصحيفة.

المفارقة المأساوية أن التسريح لم يقتصر على الموظفين الإداريين، بل طال “عصب” الصحيفة؛ من مراسلين حائزين على جوائز “بوليتزر”، إلى محرري ديسك ومصوري فيديو ومحللي بيانات.

ووفقاً لما نقلته صحيفة “الجارديان“، فإن الغضب المشتعل داخل غرفة الأخبار نابع من الطريقة التي أُبلغ بها الموظفون؛ حيث تلقى الكثيرون رسائل بريد إلكتروني باردة تخبرهم بأن أدوارهم “لم تعد ضرورية”.

هذا المشهد أدى إلى إضرابات تحذيرية نظمتها “نقابة مراسلي واشنطن بوست”، الذين أكدوا أن الإدارة فشلت في تقديم رؤية استراتيجية بديلة للنمو، واكتفت بالحل الأسهل وهو “بتر” الكفاءات البشرية لتقليل النفقات.

لماذا تخسر الصحيفة المال رغم ملكية بيزوس؟

قد يتساءل القارئ “لماذا لا يغطي بيزوس هذه الخسائر من ثروته الشخصية؟”.

الإجابة تكمن في فلسفة العمل داخل “وادي السيليكون” التي نقلها بيزوس إلى الصحيفة.

في عالم الأعمال، لا توجد مؤسسة تعيش على “المنح” للأبد.

واشنطن بوست تعاني من تراجع حاد في عوائد الإعلانات الرقمية، حيث تلتهم منصات مثل جوجل وميتا وتيك توك الحصة الأكبر من السوق، تاركة للصحافة التقليدية الفتات.

علاوة على ذلك، فإن الصحيفة واجهت صعوبة في تحويل القارئ “العابر” إلى مشترك “دائم”.

بعد انتهاء “تأثير ترامب”، فشلت الصحيفة في إيجاد موضوعات تجذب الجيل الجديد من القراء الذين يفضلون المحتوى القصير والبصري على التحقيقات الطويلة التي تتجاوز الـ 3000 كلمة.

وبدلاً من الاستثمار في ابتكار أشكال صحفية جديدة، استمرت الصحيفة في التوسع في أقسام لا تدر عائداً، مثل الملاحق الثقافية والمجلات الأسبوعية المطبوعة التي تراجعت مبيعاتها بشكل كارثي.

المنظور العربي.. هل نخشى على صحافتنا؟

بالنسبة لنا في المنطقة العربية، فإن أزمة “واشنطن بوست” تحمل نذيراً خطيراً.

إذا كانت مؤسسة تمتلك كل هذه الأدوات التكنولوجية والتمويل الهائل والجمهور العالمي تعاني، فإن المؤسسات الصحفية العربية، التي تعاني أصلاً من ضيق هامش الحرية وهشاشة نماذج الربح، تبدو في وضع أصعب بكثير.

الأزمة تشير إلى أن “نموذج الاشتراك” (Subscription Model) الذي راهن عليه الجميع كبديل للإعلانات بدأ يصل إلى حافة التشبع.

القارئ العربي، الذي اعتاد الحصول على المعلومة مجاناً، قد لا يكون مستعداً لدفع مبالغ شهرية في ظل الأزمات الاقتصادية، مما يضع الصحافة العربية بين فكي الرحى؛ التبعية لتمويل حكومي أو حزبي يفقدها مصداقيتها، أو الانهيار المالي بسبب غياب الجمهور الدافع.

أخلاقيات الأزمة.. هل تم التضحية بالدقة؟

بالعودة إلى وثيقة أخلاقيات رويترز التي نعتمدها في “كشيدة”، فإن ما حدث في واشنطن بوست يثير تساؤلاً أخلاقياً حول “النزاهة” تحت الضغط.

عندما يتم تسريح مئات المحررين، فإن عبء العمل يزداد على الباقين، مما يرفع احتمالية وقوع الأخطاء المهنية ويقلل من قدرة الصحيفة على التدقيق في المصادر.

الصحافة الجيدة تتطلب وقتاً، والوقت يتطلب مالاً وموظفين.

عندما تغيب الموارد البشرية، تصبح الصحافة مجرد “ناقلة للأخبار” بدلاً من أن تكون “صانعة للسياق” ومحققة في الحقائق.

لا تبدو الآفاق القريبة وردية.

الصحيفة تحاول الآن إعادة تموضعها كشركة تكنولوجيا إعلامية، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي لتقليل تكاليف الإنتاج، وهو ما يثير رعباً إضافياً بين الصحفيين.

الإدارة الجديدة تراهن على محتوى “اللايف ستايل” والخدمات والنصائح العملية لجذب جمهور جديد، في محاولة للهروب من فخ “السياسة الجادة” التي لم تعد تبيع كما في السابق.

الدرس المستفاد من زلزال واشنطن بوست هو أن المؤسسة التي لا تبتكر باستمرار في “طريقة سردها” و”نموذج ربحها”، ستجد نفسها خارج السياق مهما كان تاريخها عريقاً.

العبء الآن يقع على عاتق بيزوس والإدارة لإثبات أن “الديمقراطية لا تموت في الظلام” فقط، بل إنها أيضاً لا تموت بسبب “الإفلاس الإبداعي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى