حياة

وداعًا للتربية الإيجابية.. لماذا يتجه الآباء إلى "FAFO" لتربية أطفالهم؟

وسط جدل حول جدوى التربية الإيجابية للأطفال، ودعوات للعودة إلى أساليب التربية القديمة، ظهر أسلوب جديد للتربية، عُرف باسم FAFO parenting.

FAFO parenting هو اختصار لعبارة فظة بقدر ما هي مباشرة، ويعني “تصرّف كما تشاء، ثم تحمّل العواقب”.

ليس جديدًا أن تختلف المدارس التربوية، لكن الجديد هنا هو سرعة انتشار هذا المصطلح، والقدرة الهائلة للسوشيال ميديا على تحويل تريند إلى نموذج تربوي يُحتذى به.

بدأت الحكاية، على الأقل في الفضاء الرقمي، بمقاطع قصيرة انتشرت على TikTok لمشاهد أمهات وآباء يتركون “النتائج الطبيعية” تتكفّل بالتربية.

أمّ ترمي جهازًا لوحيًا من نافذة السيارة عقابًا لسلوك سيئ.

وأخرى تغلق الباب على طفل أعلن مغادرته المنزل ليتعلّم، كما تقول، معنى FAFO.

ملايين المشاهدات، وتصفيق في التعليقات، وعبارة واحدة تتكرر “درس مبكّر في الحياة”.

لكن ما الذي يدفع هذا الخطاب إلى الصعود الآن؟

ولماذا يبدو وكأنه ردّ فعل مباشر على عقدٍ كامل من هيمنة ما يُعرف بـ“التربية الإيجابية”؟

هذا ما نحاول فهمه..

من التربية الإيجابية إلى الصارمة

على مدار نحو عشر سنوات، قدّمت التربية الإيجابية نفسها كبديل إنساني لأساليب عقابية سادت في مطلع الألفية.

الفكرة الأساسية تقوم على التعاطف، والشرح بدل العقاب، وبناء الثقة قبل الطاعة.

غير أن التطبيق اليومي، كما تعترف كثير من الأمهات، كان مُنهكًا.

إذ تحتاج التربية الإيجابية لمتابعة دائمة، تفاوض لا ينتهي، وشعور بأن أي خطأ بسيط قد “يؤذي” الطفل نفسيًا.

هنا، وجد أسلوب FAFO مراده، فهو يقول للأهل دعوا الطفل يجرّب، بشرط ألا يكون الخطر جسيمًا.

إذا رفض الطفل ارتداء المعطف، سيشعر بالبرد.

إذا ترك لعبته في الطريق، قد تنكسر.

في الظاهر، تبدو هذه “عواقب طبيعية” عرفتها أجيال سابقة. غير أن النقّاد يرون في بعض الأمثلة المعروضة على السوشيال ميديا انزلاقًا من التعليم إلى الإذلال.

فحين يتحوّل الدرس إلى عرضٍ عامّ على السوشيال، وتصبح دموع الطفل مادة ترفيهية على TikTok، فإن الخط الفاصل بين ما يسمونه “العواقب الطبيعية” و”العقاب المهين” يختفي.

تربية أم محتوى؟

المفارقة أن كثيرًا مما يُسوّق بوصفه FAFO ليس جديدًا في جوهره.

علماء النفس التربويون لطالما تحدّثوا عن قيمة العواقب الطبيعية ضمن إطار آمن وداعم.

الفارق أن النسخة المتداولة اليوم تتغذّى من منطق الخوارزميات؛ كلما كان المشهد أكثر صدمة، حصد تفاعلًا أكبر.

في مقال سابق في The Wall Street Journal، جرى توصيف هذا التحول باعتباره “نهاية التربية الإيجابية” وبداية عصر “الصرامة الواقعية”.

لكن حتى داخل هذا الطرح، يقرّ الخبراء بأن التربية الإيجابية، في أصلها، لم تكن يومًا بلا حدود، وأن FAFO حين يُمارَس بمسؤولية لا يعني التخلي عن التعاطف.

الخطورة، كما يشير مختصون، ليست في ترك الطفل يشعر بالبرد أو الجوع لساعات محدودة، بل في الرسالة الضمنية “أنا غير موجود عاطفيًا حين تتألم”.

الطفل لا يتعلم فقط من النتيجة، بل من حضور البالغ إلى جانبه وهو يختبرها.

بين الاستقلالية والعزلة

أنصار FAFO يرون أنه أسلوب لتعلم الاستقلالية، وتحضّر الطفل لـ“العالم الحقيقي” القاسي. وهم غالبًا يستحضرون قلقًا أوسع بشأن جيلٍ يوصف بأنه أكثر هشاشة وقلقًا من أي وقت مضى.

في المقابل، يحذّر المنتقدون من أن الإفراط في “دعهم يتعلّمون بالطريقة الصعبة” قد يزرع العار بدل المسؤولية، والعزلة بدل الثقة.

اللافت أن كثيرًا من الأصوات المعتدلة تحاول الخروج من هذه الثنائية.

فالتربية ليست اختيارًا بين اللين المطلق أو الصرامة المطلقة، بل مزيجًا دقيقًا من الدفء والحدود.

هذا ما وصفته الأدبيات الكلاسيكية منذ ستينيات القرن الماضي بـ“التربية الحازمة المتعاطفة”، سلطة واضحة دون قسوة، وتعاطف دون تسيّب.

ربما يكون السؤال الأهم هو هل يكشف FAFO عن تحوّل في قسوة مشاعر الأهل؟ أم عن إنهاكهم من التربية الإيجابية؟

كثير من الباحثين يميلون إلى الاحتمال الثاني، في ظل ضغط اقتصادي، وغياب شبكات الدعم، والعمل لساعات طويلة.

من هذه الزاوية، لا يبدو FAFO ثورة تربوية بقدر ما هو صرخة تعب.

رد فعل على عقود من تضخيم المسؤولية الفردية، حيث يُحمَّل الوالدان وحدهما وزر نجاح الطفل أو فشله.

نحو منطقة وسطى

المفارقة أن نهاية هذا الجدل قد تكون في نقطة وسطى تحمل اسمًا جديدًا، ربما يكون “FAFO الإيجابية”.

مقاربة تعترف بقيمة العواقب، لكنها ترفض السخرية والتشهير، وتصرّ على بقاء الراشد حاضرًا عاطفيًا.

في عالم تحكمه الخوارزميات، ستظل النسخ المتطرفة هي الأكثر ضجيجًا.

لكن التربية، في واقعها اليومي، لا تُقاس بعدد اللايكات والمشاهدات. إنها علاقة طويلة الأمد، تُبنى على الثقة بقدر ما تُبنى على القواعد.

قد تختفي تسمية FAFO غدًا، لتحل محلها موضة أخرى. أما السؤال الجوهري فسيبقى كيف نعلّم أبناءنا تحمّل العواقب دون أن نتركهم وحدهم أمامها.

هذا السؤال، أكثر من أي تريند، فهو ما يستحق أن نفكّر فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى