بزنس

هروب الكفاءات.. لما يهاجر الإسرائيليون الآن؟

لم تعد الهجرة من إسرائيل موضوعًا هامشيًا أو محصورًا في النقاشات الأكاديمية. وخلال العامين الماضيين، ومع امتداد الحرب وتراكم آثارها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بدأت مؤشرات متفرقة تتقاطع لتُشكّل صورة أوسع.

طلبات متزايدة لنقل موظفين إلى الخارج، شركات تعيد تقييم استثماراتها، واستطلاعات رأي تُظهر استعدادًا غير مسبوق لدى فئات واسعة للتفكير في مغادرة البلاد.

أظهر تقرير حديث أصدرته جمعية الصناعات التكنولوجية المتقدمة في إسرائيل أن طلبات انتقال الإسرائيليين العاملين في الشركات متعددة الجنسيات العاملة في إسرائيل إلى الخارج ارتفعت في العام الماضي.

وجدت جمعية الصناعات التكنولوجية أن 53% من الشركات أبلغت عن زيادة في طلبات نقل الموظفين الإسرائيليين.

مشيرة إلى أن هذا “اتجاه قد يضر بمرور الوقت بمحرك الابتكار المحلي والريادة التكنولوجية لإسرائيل”.

وهو تطور ربطه التقرير مباشرة بتداعيات الحرب الممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

قطاع التكنولوجيا.. عمود اقتصادي تحت الضغط

ويمثل قطاع التكنولوجيا نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، ويستوعب قرابة 15% من فرص العمل، ويقود أكثر من نصف الصادرات.

هذا الوزن الاقتصادي يجعل أي اهتزاز في القطاع انعكاسًا مباشرًا على الاقتصاد ككل.

عشرات الشركات متعددة الجنسيات، من بينها مايكروسوفت وإنتل وإنفيديا وأمازون وميتا وآبل، بنت حضورًا طويل الأمد في إسرائيل، مستفيدة من رأس مال بشري عالي التأهيل ونظام ابتكار متكامل.

لكن الحرب فرضت اختبارات قاسية. فالتقرير يشير إلى أن بعض الشركات بدأت دراسة نقل أنشطة أو استثمارات إلى دول أخرى.

وفي حالات معينة، أدت اضطرابات سلاسل الإمداد خلال الحرب إلى إيجاد بدائل خارج إسرائيل.

وعندما أثبتت هذه البدائل كفاءتها، برزت مخاوف من ألا تعود الأنشطة بالكامل حتى بعد توقف القتال.

طلبات النقل.. من الموظف إلى الأسرة

لا تتوقف القصة عند أرقام الشركات. التقرير ذاته يرصد ارتفاعًا ملحوظًا في طلبات نقل كبار التنفيذيين وعائلاتهم، وهو ما يضيف بُعدًا اجتماعيًا إلى المسألة المهنية.

فقرار الانتقال لا يتعلق بوظيفة فقط، بل بهجرة كاملة وإعادة ترتيب الحياة في ظل شعور متراجع بالأمان والاستقرار.

ومع ذلك، يقول التقرير إن 57% من الشركات أفادت بالحفاظ على نشاط مستقر خلال الحرب، بينما وسّعت 21% عملياتها داخل إسرائيل.

الهجرة كفكرة حاضرة

على مستوى الرأي العام، تكشف دراسة لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي أن 27% من الإسرائيليين يفكرون في الهجرة، رغم إدراك الغالبية أن هجرة جماعية قد تكون خطرة على مستقبل الدولة.

اللافت أن النسبة ترتفع بين العرب الإسرائيليين إلى 30%، مقابل 26% بين اليهود، مع ميل أوضح لدى العلمانيين مقارنة بالمتدينين.

الأرقام تُظهر أيضًا أن الدافع ليس دائمًا «جاذبية الخارج» بقدر ما هو «الرغبة في الخروج».

نحو ثلثي ممن يفكرون في الهجرة قالوا إنهم لا يستهدفون بلدًا بعينه، بل يبحثون عن مغادرة الواقع الحالي.

هذه النزعة تعكس ضغطًا نفسيًا وسياسيًا أكثر مما تعكس تخطيطًا تقليديًا للهجرة.

التعليم والدخل

تتقاطع نتائج الاستطلاع مع ما يرصده تقرير قطاع التكنولوجيا. فالأكثر ميلًا للتفكير في الهجرة هم الأعلى تعليمًا والدخل المتوسط إلى المرتفع.

إضافة إلى العاملين في مجالات تتيح حركة عالمية أكبر مثل التكنولوجيا والطب والتمويل.

وبين الشباب العلمانيين ذوي الدخل المرتفع وجوازات السفر الأجنبية، تقفز النسبة إلى مستويات أعلى بكثير.

وهذا يعني أن الفئات الأكثر قدرة على الابتكار والمنافسة العالمية هي ذاتها الأكثر استعدادًا للمغادرة إذا تراجعت الثقة في المستقبل.

الأرقام الرسمية

في عام 2024، غادر أكثر من 82 ألف إسرائيلي البلاد، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف عن متوسط السنوات السابقة.

ورغم أن المعيار الإحصائي يعتبر المغادرة طويلة الأمد بعد قضاء 275 يومًا خارج البلاد، فإن القفزة الحادة تشير إلى تغير نوعي لا يمكن تجاهله.

بدأ المنحنى بالصعود في 2023، لكنه تسارع مع اتساع رقعة الحرب وتعدد جبهاتها، من غزة إلى لبنان، وصولًا إلى تبادل الضربات المباشر مع إيران.

في الوقت نفسه، سجّل معدل النمو السكاني أدنى مستوياته منذ أكثر من عقد، ما يعكس أثر الهجرة على التركيبة السكانية.

الحرب والسياسة

يصعب فصل هذه التحولات عن السياق السياسي الداخلي.

فالنقاش حول إصلاحات قضائية مثيرة للجدل سبق الحرب، وأثار مخاوف لدى شرائح علمانية وليبرالية من تآكل الضمانات الديمقراطية.

ومع استمرار الحرب، تراكبت المخاوف الأمنية مع ضغوط اقتصادية، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة وتبعات تمويل العمليات العسكرية المتعددة.

ومع أن بعض الإسرائيليين عادوا من الخارج بدافع التضامن، تشير البيانات الجديدة إلى أن كفة المغادرة باتت أثقل من كفة العودة.

هذا التوازن المختل يطرح سؤالًا استراتيجيًا، هل ما يجري موجة عابرة ستنحسر مع الاستقرار، أم بداية إعادة تموضع ديمغرافي واقتصادي؟

بين المرونة والتحذير

تُصرّ قيادة قطاع التكنولوجيا على إبراز مرونة النظام الابتكاري وقدرته على التكيّف.

تصريحات مسؤولي الجمعية تؤكد العمل «بلا كلل» للحفاظ على جاذبية إسرائيل كمركز للشركات متعددة الجنسيات.

غير أن التحذير المضمَّن في التقرير نفسه لا يقل وضوحًا؛ من دون خطوات حكومية نشطة لتعزيز الاستقرار التنظيمي والجيوسياسي، قد يحدث تآكل تدريجي في المنظومة.

ما بين تقارير الشركات، واستطلاعات الرأي، وبيانات الهجرة الرسمية، تتشكل لوحة معقدة لا تختزل في «هجرة جماعية» ولا تنفي وجود «نزيف بطيء».

وفق واشنطن بوست، لا ترتبط الهجرة الحالية بفرص اقتصادية فقط، ولا بتحولات عالمية أو بانفتاح أسواق جديدة.

بل يتصل في جزء كبير منه بخوفٍ عارم من المستقبل، وانعدام الثقة بالقيادة السياسية، والقلق من اهتزاز المؤسسات.

فضلًا عن الانقسام الاجتماعي العميق الذي تفاقم بعد حرب غزة وما تبعها من اضطرابات أمنية وسياسية.

تاريخيًا، شهدت إسرائيل موجات هجرة معاكسة في فترات توتر سابقة، سواء خلال الانتفاضات أو الأزمات الاقتصادية الحادة.

غير أن تلك الموجات كانت غالبًا مؤقتة، ومحصورة في شرائح بعينها، وسرعان ما أعقبتها موجات عودة مدفوعة بتحسن الأوضاع أو بدوافع أيديولوجية.

المختلف اليوم أن مؤشرات المغادرة تأتي من قلب الفئات التي شكّلت لعقود العمود الفقري للاقتصاد المعرفي.

وفي لحظة يتزامن فيها الضغط الأمني مع شكوك متزايدة حول المسار السياسي والمؤسسي للدولة.

تُجمع معظم التحليلات على أن هذه الموجة من الهجرة ستترك أثرًا طويل الأمد.

فمن الناحية الاقتصادية، قد تنخفض قدرة إسرائيل على المنافسة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وقد تتسع الفجوات الاجتماعية بين من يبقون ومن يغادرون.

سياسيًا، غياب آلاف المنتمين إلى التيارات المعارضة قد يعزز الكتل اليمينية في الانتخابات.

اجتماعيًا، قد تزداد الهوة بين شرائح المجتمع المختلفة، خاصة مع تزايد الاستقطاب بعد الحرب.

ومع أن بعض المغادرين يؤكدون أن هجرتهم «مؤقتة»، فإن خبراء الهجرة يشكّون في ذلك.

لافتين إلى أن كثيرين ممن غادروا خلال سنوات سابقة لم يعودوا، خاصة أولئك الذين نجحوا في الاندماج في دول أوروبية وأمريكية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى