كلاكيت

«Marty Supreme».. الجري نحو الحلم الأمريكي

منذ صدور فيلم Marty Supreme وهو يتصدر ترشيحات النقاد لأفضل أفلام 2025.

في فيلم Marty Supreme، لا يمشي البطل نحو مصيره، ولا يتسلّل إليه بحذر. إنه يركض. يندفع. يصطدم. ثم ينهض ليواصل الجري، كأن الحركة وحدها هي طريق الخلاص.

في أحدث أفلام المخرج جوش سافدي، يقدم تيموثي شالاميه أحد أكثر أدواره كثافةً وتناقضًا، لاعب تنس طاولة يهودي في نيويورك الخمسينيات، موهوب، جائع، ومشحون بطاقة لا تعرف السكون.

الفيلم، الذي يمكن اعتباره واحدًا من أكثر الأعمال الأميركية إثارة هذا العام، لا يكتفي بسرد قصة صعود رياضي.

إنه حكاية عن الطموح بوصفه حالة وجودية، وعن الهوية حين تصبح عبئًا ووقودًا في آن، وعن مدينة تُنجب أحلامًا كبيرة داخل شقق ضيقة وسلالم مشتركة ودكاكين مكتظة.

بطل يركض بين العوالم

نلتقي «مارتي ماوزر» في عام 1952، يعمل في متجر أحذية متواضع في الحي الشرقي الأدنى من نيويورك.

منذ المشهد الأول، يبدو الرجل في غير مكانه، يحاول إدخال قدم زبونة ضخمة في حذاء أنيق أصغر من مقاسها، في استعارة بصرية مبكرة عن عالم لا يتسع لطموحه.

خلال دقائق، يترك مارتي العمل، والحبيبة، والبيت، وحتى المدينة، وكأن الزمن لا يحتمل التردد.

مارتي ليس بطلًا نموذجيًا ولا ضحية بريئة. هو «محتال جذّاب»، لاعب تنس طاولة محترف على مستوى الشوارع وصالات اللعب الخفية، يحلم بأن يصبح بطل العالم، وبأن يترك توقيعه الخاص، حتى لو كان ذلك عبر فكرة تبدو عبثية مثل إطلاق خط كرات تنس طاولة برتقالية باسمه.

سينما الحركة الداخلية

يقدّم سافدي هنا نسخة محمومة من رواية التكوين (Bildungsroman)، لكن دون أي نزعة تعليمية أو خطاب أخلاقي.

الأفكار الكبرى، الهوية اليهودية، الاندماج، الصعود الطبقي، الأسرة، والانتماء، لا تُقال، بل تُعاش.

الكاميرا لا تشرح، بل تلهث خلف الشخصية، في حركة دائمة تجعل المشاهد شريكًا في التوتر.

هذه السمة ليست جديدة على سينما سافدي، الذي عُرف، إلى جانب شقيقه بيني، بأفلام مثل Uncut Gems.

لكن «Marty Supreme» يبدو أكثر نضجًا وتركيبًا؛ أقل صخبًا مجانيًا، وأكثر إحكامًا في ربط الفوضى بالمعنى.

جسد في حالة صراع

يظهر شالاميه هنا منزوع الهالة، وجه مليء بالبثور والندوب، جسد نحيل لكنه صلب، وحركات عصبية لا تهدأ.

أداؤه جسدي بامتياز، لكنه لا ينسى الهشاشة. مارتي قاسٍ أحيانًا، أناني في علاقاته، خصوصًا مع رايتشل، صديقة الطفولة وعشيقته، التي تؤديها أوديسا آزيون، لكنه في العمق كائن يبحث عن اعتراف لا يعرف كيف يطلبه.

علاقته بوالدته، التي تجسدها فران دريشر، متوترة إلى حد العداء، في كسر واعٍ لصورة «الابن اليهودي المدلل» في السينما الأميركية.

مارتي رياضي، ابن شارع، وليس صورة نمطية مريحة.

فيلم Marty Supreme، Photo by Courtesy of A24
فيلم Marty Supreme، Photo by Courtesy of A24

نيويورك.. شخصية لا خلفية

أحد أعظم إنجازات الفيلم هو المدينة نفسها. نيويورك هنا ليست ديكورًا، بل كائنًا حيًا: شقق تنكشفت طبقات دهانها عبر عقود، مراحيض مشتركة في سلالم البنايات، محال مكتظة، وصالات تنس طاولة غامضة مضاءة بخفوت.

تصميم الإنتاج، بإشراف جاك فيسك، يعيد بناء «نيويورك الضائعة» بحميمية وخطر في آن.

التأثيرات السينمائية واضحة، من فيلم Mean Streets لـ مارتن سكورسيزي، إلى فيلم كين جاكوبس الوثائقي «Orchard Street»، لكن سافدي لا يقلّد، بل يمتص ويعيد التشكيل.

لندن والهوية على المحك

ينتقل الفيلم لاحقًا إلى لندن، حيث تتعقّد حياة مارتي مع دخول «كاي»، نجمة هوليوودية سابقة تؤديها غوينيث بالترو، في حياته.

هنا، تُدفع الهوية اليهودية إلى الواجهة، لا عبر خطب، بل عبر مواقف محرجة ومقلقة، تصل ذروتها في نكتة صادمة عن أوشفيتز يطلقها مارتي أمام صحفيين، ثم يبررها بضحكة «أنا يهودي، يمكنني قول ذلك».

المشهد، بقدر ما هو مستفز، يكشف آلية دفاع، ومفارقة وجودية، استخدام السخرية سلاحًا ضد تاريخ لا يمكن الفكاك منه.

لاحقًا، يأخذ الفيلم منعطفًا تأمليًا قصيرًا، عبر استرجاع حكاية نجاة من المحرقة، تربط الماضي بالحاضر دون افتعال.

الرياضة كمسار لا كغاية

على المستوى السردي، يظل هدف مارتي واضحًا، بطولة العالم لتنس الطاولة، ومواجهة اللاعب الياباني «كوتو إندو»، الذي يجسده بطل حقيقي من عالم اللعبة.

لكن البطولة هنا ليست نهاية الحكاية، بل خط توتر يسمح للفيلم بالانفلات نحو مسارات جانبية، جرائم صغيرة، شراكات مشبوهة، انفجارات عنف مفاجئة.

سافدي بارع في إدارة الفوضى، لا باعتبارها خللًا، بل كحالة طبيعية في حياة أشخاص يعيشون على الحافة. كل شيء يمكن أن ينهار في أي لحظة، وغالبًا ما ينهار.

نقيض «الحلم الأميركي» التقليدي

قد يستدعي الفيلم، بعد المشاهدة، رواية «What Makes Sammy Run?» لباد شولبرغ، عن الصعود الأناني المدمر.

لكن مارتي ليس «سامي». طموحه لا يُبنى على سحق الآخرين وحده، بل على شبكة علاقات، مهما كانت هشة. لديه أصدقاء، حيّ، مدينة، وذاكرة جماعية تحمله حتى في أسوأ لحظاته.

في هذا المعنى، يصبح مارتي، كما يقول عن نفسه، «أسوأ كوابيس هتلر»، ليس لأنه انتصر، بل لأنه موجود، حي، ويركض بلا اعتذار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى