حياة

تسبب السرطان والعقم.. تقرير يحذر من المواد الكيميائية في الطعام

على مدى عقود طويلة، كان النقاش حول المنظومة الغذائية العالمية يتمحور حول الإنتاج والكفاءة وسلاسل التوريد.

بينما بقيت قضية التعرّض للمواد الكيميائية الاصطناعية على هامش الاهتمام العام، رغم أنها تُستخدم بكثافة في كل خطوة من خطوات إنتاج الغذاء وتحضيره وتغليفه.

لكن تقريرًا علميًا جديدًا، أعدّه فريق دولي يضم عشرات الباحثين من مؤسسات بحثية وجامعات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يضع هذه القضية في صدارة الاهتمام، محذرًا من أن التعرّض لهذه المواد أصبح يشكل عبئًا صحيًا واقتصاديًا غير مسبوق.

فحسب التقرير، فإن أربع مجموعات من المواد الكيميائية الشائعة “الفثالات، البيسفينولات، المبيدات الحشرية، ومواد PFAS” المعروفة باسم المواد الكيميائية الأبدية، تتسبب في عبء صحي سنوي يصل إلى 2.2 تريليون دولار، وهو رقم يوازي تقريبًا الأرباح السنوية لأكبر 100 شركة عامة في العالم.

ويؤكد الباحثون أن هذه التقديرات لا تشمل إلا جزءًا يسيرًا من التكلفة الإجمالية، إذ إن معظم الأضرار البيئية لا تزال خارج الحسابات الاقتصادية الرسمية.

أزمة متصاعدة منذ منتصف القرن العشرين

يشير العلماء إلى أن التعرض للمواد الكيميائية الاصطناعية ازداد بدرجة هائلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

فقد ارتفع الإنتاج الكيميائي العالمي بأكثر من 200 مرة منذ خمسينيات القرن الماضي، وهناك اليوم أكثر من 350 ألف مادة كيميائية اصطناعية في الأسواق العالمية.

وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع، فإن معظم هذه المواد لم تُخضع لاختبارات كافية قبل دخولها في الاستخدام الصناعي، ولا تُراقب آثارها الصحية والبيئية على نحو منهجي بعد طرحها في السوق.

وعلى النقيض من قطاع الأدوية، الذي يخضع لبروتوكولات اختبار صارمة، تظل المواد الكيميائية الصناعية تدخل الحياة اليومية دون ضمانات حقيقية لسلامتها.

ويستحضر التقرير ما خلصت إليه دراسة أعدّها مركز ستوكهولم للمرونة قبل ثلاث سنوات، والتي وجدت أن التلوث الكيميائي تجاوز ما يسمى بـ“الحدود الكوكبية”، أي النقطة التي تصبح عندها التغييرات البشرية على البيئة أكبر من قدرة النظام البيئي على الاستيعاب والتكيف.

«لا توجد في معظم الدول آليات لاختبار تأثير المواد الكيميائية قبل السماح باستخدامها في الأغذية».

مجموعة كيميائية واحدة.. وتأثيرات تمتد عبر الحياة كلها

اللافت في التقرير أن العلماء ركزوا على أربع مجموعات فقط من المواد الكيميائية، رغم أن مئات الآلاف منها متداولة عالميًا.

وقد اختيرت المجموعات الأربع لأنها من “الأكثر انتشارًا والأكثر دراسة”، بحسب التقرير، ما يوفّر قاعدة علمية قوية لتقدير حجم الخطر.

الفثالات والبيسفينولات: تُستخدم كمواد مضافة للبلاستيك، وتوجد في عبوات الأغذية والقفازات المستخدمة في إعداد الطعام.

المبيدات: عنصر محوري في الزراعة الصناعية، تُرش بكميات ضخمة على المحاصيل، وتُستخدم بعد الحصاد لإطالة عمر المنتجات.

PFAS: تُستخدم في مواد تغليف الطعام المقاومة للشحوم، مثل ورق الوجبات السريعة وعبوات الفشار والآيس كريم، لكنها أصبحت ملوِّثًا كونيًا يدخل الغذاء عبر الهواء والماء والتربة.

وتوثّق الدراسات أن التعرض لهذه المواد يرتبط بحزمة واسعة من الآثار الصحية؛ سرطانات، اضطرابات تطور الجهاز العصبي، السمنة، السكري، تشوهات خلقية، اضطرابات هرمونية، وأمراض القلب.

نتائج تتجاوز الجسد البشري

إحدى أكثر نتائج التقرير إثارة للقلق تتعلق بالتأثيرات الديموغرافية المحتملة.

فبحسب الباحثين، قد يؤدي التعرض المستمر لمواد تؤثر في النظام الهرموني، مثل الفثالات والبيسفينولات، إلى تراجع بين 200 و700 مليون مولود في الفترة الممتدة بين 2025 و2100.

هذا الرقم، حتى في حدوده الدنيا، يحوّل القضية من شأن صحي إلى قضية تمس مستقبل المجتمعات وقدرتها على الاستمرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا السياق، يبرز صوت فيليب لاندرغان، أستاذ الصحة العامة العالمية في كلية بوسطن، الذي وصف التقرير بأنه “جرس إنذار” للعالم.

ويشير لاندرغان، الذي كرّس مسيرته لدراسة الأمراض التي تصيب الأطفال، إلى تغيرات عميقة في طبيعة الأمراض التي يعاني منها الصغار اليوم مقارنة بما كان سائدًا في منتصف القرن الماضي.

فقد تراجعت الأمراض المعدية مثل الحصبة والسعال الديكي بشكل كبير، في حين ارتفعت معدلات الأمراض غير السارية بين الأطفال، ومنها اضطرابات النمو العصبي، وهو ما يربطه الباحثون بالتعرض المتزايد للمواد الكيميائية المصنعة.

ويقول لاندرغان إن أكثر ما يقلقه هو تلك المواد التي “تلحق الضرر بأدمغة الأطفال أثناء تطورها”، لأنها لا تترك أثرًا صحيًا فقط، بل تمس القدرة الإبداعية والإنتاجية التي سيحملها هؤلاء الأطفال معهم طوال حياتهم.

تأثيرات تمتد إلى القلب والتمثيل الغذائي

أما الفئة الثانية التي تثير قلقه فهي المواد المسببة لاختلال النظام الهرموني (Endocrine disruptors).

ويعدّ البيسفينول مثالًا بارزًا لهذه الفئة، إذ يمكنه الوصول إلى أجسام البشر في كل مرحلة عمرية، ثم التأثير في الكبد، والعمليات الداخلية للكوليسترول، والوزن، والسكري، ومخاطر أمراض القلب والسكتات الدماغية.

التقرير لا يقدّم هذه الاستنتاجات كملاحظات معزولة، بل يربطها بسياق أوسع هو نمو الإنتاج الصناعي للمواد الكيميائية، وضعف التشريعات المنظمة لها، وهو ما يجعل التعرض لها جزءًا من الحياة اليومية للغالبية العظمى من البشر.

الزراعة الصناعية.. أرباح قصيرة المدى وتكاليف طويلة الأجل

يلفت التقرير أيضًا إلى أن الاعتماد المتزايد على المبيدات في الزراعة الصناعية خلق حلقة معقدة من الضرر البيئي والاقتصادي.

ففي الوقت الذي تحافظ فيه هذه المواد على إنتاجية المحاصيل في المدى القصير، فإنها تسهم في تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي، ما يهدد مستقبل الإنتاج الزراعي نفسه.

وتقدّر الخسائر البيئية والزراعية المرتبطة بهذه المواد بنحو 640 مليار دولار سنويًا، وهو تقدير “محافظ جدًا”، بحسب معدّي التقرير، لأن معظم الأضرار البيئية لا يمكن قياسها بسهولة أو لم تدخل بعد في الحسابات الاقتصادية الرسمية.

مواد PFAS.. تلوث يبدأ من عبوات الطعام وينتهي بكل مكان

من بين المواد الأربع التي يسلط عليها التقرير الضوء، تبدو PFAS الأكثر قدرة على إثارة القلق.

فهذه المواد التي صُممت لتكون مستقرة ومقاومة للتحلل أصبحت كذلك مستمرة في البيئة لعقود، تنتقل عبر المياه والهواء والتربة، وتتراكم في السلاسل الغذائية.

ولأنها تُستخدم في مواد ملامسة للطعام، فإن الإنسان يمكن أن يتعرض لها مباشرة من خلال الأطعمة المغلفة، أو بشكل غير مباشر من خلال البيئة، وهو ما يجعل التخلص منها مسألة بالغة الصعوبة.

تكلفة غير مرئية.. لكنها تدفع كل يوم

من منظور اقتصادي بحت، يشبه التقرير هذه التكاليف الصحية والبيئية بـ“فاتورة خفية” تتحملها المجتمعات من أجل نظام غذائي يبدو رخيصًا وفعالًا في الظاهر، لكنه مكلف للغاية في حقيقة الأمر.

فالأسعار المتداولة في الأسواق لا تعكس التكاليف الحقيقية لإدارة مشاكل صحية معقدة، ولا الأثر البيئي الذي تحتاج الحكومات إلى معالجته عبر سياسات طويلة المدى.

ويشير الباحثون إلى أن الحكومات غالبًا ما تتحمل تكاليف علاج الأمراض الناتجة عن التلوث الكيميائي، بينما تستفيد الصناعات من الأرباح دون أن تتحمل جزءًا عادلًا من المسؤولية.

أين تكمن المشكلة؟

المعضلة الأساسية، بحسب التقرير، تكمن في غياب منظومة رقابية فعالة على المواد الكيميائية الصناعية.

فعلى عكس الأدوية، لا توجد في معظم الدول آليات متكاملة لاختبار تأثير المواد قبل السماح باستخدامها، ولا متابعة آثارها بعد طرحها في الأسواق.

ويقول لاندرغان “ما يخيفني هو الآلاف من المواد الكيميائية التي نتعرض لها يوميًا ولا نعرف عنها شيئًا”.

ويضيف أن المجتمع يتحرك عادةً فقط عند ظهور كوارث صحية واضحة، كما حدث في حوادث تلوث سابقة سببت تشوهات خلقية حادة.

هل هناك طريق للخروج؟

رغم القتامة التي تفرضها الأرقام، فإن التقرير يقدم رسالة أساسية، أن الأمر ليس خارج السيطرة، لكنه يتطلب تحركًا سياسيًا وتنظيميًا واسعًا.

ويقترح الباحثون تعزيز الرقابة على المواد المستخدمة في تغليف الطعام، وتطوير بدائل آمنة للمبيدات التقليدية، وتشديد المعايير الخاصة بمواد PFAS، إلى جانب الاستثمار في أبحاث تأثير المواد الكيميائية منخفضة التركيز على الصحة.

كما يدعو التقرير إلى دمج التكلفة الحقيقية للتلوث الكيميائي ضمن السياسات الاقتصادية، بحيث تعكس الأسعار الحقيقية للمنتجات الأعباء الصحية والبيئية التي ترافق إنتاجها واستهلاكها.

في نهاية المطاف، يقدم التقرير رؤية واضحة: المنظومة الغذائية الحالية لم تعد مجرد منصة لإنتاج الغذاء، بل أصبحت مسارًا تتقاطع فيه قضايا الصحة والاقتصاد والبيئة والتنمية البشرية.

وإذا استمر العالم في تجاهل التأثيرات المتراكمة للمواد الكيميائية الاصطناعية، فإن الكلفة لن تكون مالية فقط، بل ستنعكس على صحة الأجيال المقبلة وقدرة الكوكب على الاستمرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى