60 ألف بطريق مات جوعًا.. انهيار السلسلة الغذائية في جنوب أفريقيا

على السواحل الغربية لجنوب أفريقيا، حيث تتقاطع التيارات الباردة مع هجرات الأسماك الموسمية، كانت مستعمرات البطريق الإفريقي تزدهر لعقود طويلة، وتُشكّل أحد أهم الملامح البيئية في المنطقة.
لكن السنوات الأخيرة حملت معها تغيّرًا دراميًا كشف عن هشاشة هذا التوازن.
فقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في Ostrich: Journal of African Ornithology أن أكثر من 60 ألف بطريق نفق بسبب الجوع بين عامي 2004 و2012، بعدما انهار مخزون السردين الذي يمثّل غذاءها الأساسي.
كان الخبر صادمًا للباحثين، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، ولكن لأن الانهيار وقع داخل اثنتين من أهم مستعمرات التكاثر في جنوب أفريقيا؛ جزيرة داسن وجزيرة روبن، وهما موقعان شهيران تاريخيًا وبيئيًا، ويعتمدان بشكل شبه كامل على أسراب السردين التي كانت تعبر المنطقة سنويًا.
دورة حياة دقيقة.. وأيام حرجة بلا طعام
تسرد الدراسة أن البطريق الإفريقي يمرّ كل عام بمرحلة حساسة تُسمّى فترة طرح الريش، وهي مرحلة ضرورية للبقاء، يجدد فيها الطائر ريشه بالكامل حفاظًا على عزلته الحرارية وقدرته على الغوص.
إلا أنّ هذا التجديد يأتي بثمن كبير؛ فالطائر يبقى خلالها على اليابسة لمدة تصل إلى 21 يومًا، غير قادر على دخول الماء أو الصيد. لذلك يحتاج قبلها إلى تخزين كميات كافية من الدهون.
لكن في السنوات التي شهدت انخفاضًا حادًا في مخزون السردين، لم تنجح أعداد كبيرة من البطاريق في تلبية احتياجاتها الغذائية قبل البدء في طرح الريش.
ومع انقضاء أيام الصيام القاسية، خرجت إلى البحر بحثًا عن الطعام ولم تعد.
يقول الدكتور ريتشارد شيرلي، الباحث في جامعة إكستر وأحد مؤلفي الدراسة، إن الباحثين نادرًا ما يجدون جثث البطاريق، مرجحًا أنها تموت في عرض البحر بعيدًا عن الشاطئ، وفق الجارديان.
ويضيف أن هذه الخسائر ليست حالة معزولة في موقعَيْن فقط، بل هي جزء من نمط أوسع “يتكرر في مستعمرات أخرى”، في إشارة إلى أن الانهيار في أعداد البطاريق الإفريقية استمر خلال العقدين الماضيين، حتى فقدت الفصيلة نحو 80% من أعدادها خلال ثلاثين عامًا.
سردين يختفي.. وبحر يتغيّر
توضح الدراسة أن السبب الرئيسي خلف هذه الكارثة البيئية يعود إلى تراجع غير مسبوق في أعداد سمكة السردين من نوع Sardinops sagax، التي تُعدّ الغذاء الأساسي للبطاريق الإفريقية.
فقد سجّل الباحثون أن المخزون السمكي انخفض، باستثناء ثلاث سنوات فقط منذ 2004، إلى أقل من 25% من الحد الأعلى المسجّل تاريخيًا.
ويرجع العلماء هذا التراجع إلى عاملين متداخلين، أولًا التغيرات المناخية، فالتحولات في درجات حرارة المياه وملوحتها غرب الساحل الأفريقي أثرت في نجاح موسم التفريخ الطبيعي للسردين، ما قلّل إنتاجية هذا النوع بدرجة خطيرة.
إلى جانب الصيد التجاري المكثّف، إذ ظلّت معدلات الصيد مرتفعة رغم مؤشرات الانهيار، ما أدى إلى سحب مخزون السردين أسرع من قدرته على التعافي.
وقالت الدراسة إن هذه التركيبة بين الضغط البشري والتحولات المناخية تخلق حلقة مفرغة تؤثر في النظام البيئي بأكمله، وليس البطاريق وحدها.
عام 2024.. إعلان الأزمة رسميًا
مع تراكم الخسائر، أعلنت المؤسسات البيئية في عام 2024 تصنيف البطريق الإفريقي ضمن فئة الأنواع المهددة بخطر الانقراض الحرج.
مع بقاء أقل من 10 آلاف زوج متكاثر فقط في البرية. في عالم الطبيعة، هذا الرقم يعني أن الفصيلة وصلت إلى “العنق الضيق” الذي تصبح فيه أي هزة جديدة، موسم صيد سيئ، نفوق جماعي، أو حادث نفطي، قادرة على دفع النوع إلى حافة الاندثار.
هل يمكن إنقاذ ما تبقى؟
إزاء حجم التهديد، اتجهت السياسات البيئية في جنوب أفريقيا إلى تفعيل إجراءات حماية عاجلة، من بينها حظر الصيد بشباك الشانشولا (purse-seine) في نطاق واسع حول ستة من أكبر مواقع التكاثر.
وتقوم هذه الطريقة على تطويق أسراب الأسماك بشبكة ضخمة تُسحب من القاع، ما يجعلها واحدة من أكثر تقنيات الصيد استنزافًا للأسماك السطحية مثل السردين.
أحد مؤلفي الدراسة، الدكتور أزويانوي مخادو، أوضح أن هذه الخطوة تهدف إلى “زيادة قدرة البطاريق على الوصول إلى غذائها في اللحظات الحرجة من دورة حياتها”، خصوصًا قبل أو بعد فترة طرح الريش.
لكن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي، وفقًا لخبراء مستقلين. فالبروفيسورة لورين بيشيغرو من جامعة نيلسون مانديلا، والتي لم تشارك في الدراسة، أشارت إلى أنّ النتائج الجديدة “مثيرة للقلق للغاية”.
مضيفة أن سياسات إدارة المخزون السمكي في جنوب أفريقيا تعاني من أخطاء تراكمت عبر عقود. وقالت إن الأوضاع لم تتحسن بعد 2011، بل ربما ازدادت سوءًا.
وتحذّر بيشيغرو من أن انخفاض أعداد السردين لا يهدد البطاريق وحدها، بل يطال أنواعًا أخرى تعتمد على الأسماك الصغيرة، ما يجعل الأزمة جزءًا من انهيار أكبر في السلسلة الغذائية البحرية.
دروس من الطبيعة
تمثل قصة البطاريق الإفريقية نموذجًا تتكرر ملامحه في مناطق أخرى من العالم.
انهيار نوع صغير، مثل السردين، يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات متتابعة تهدد أنواعًا أكبر وأكثر وضوحًا للعين البشرية.
فهذه الأسماك الصغيرة تُعدّ حلقة مركزية في النظام البيئي، تربط بين العوالق النباتية في قاعدة السلسلة وبين الطيور البحرية، والحيتان، وأسماك المفترسات.
وعندما تتغير درجة حرارة البحر أو يتغيّر موقع الغذاء أو ينخفض المخزون بسبب الصيد، تتعطل هذه السلسلة بدقة الساعة.
ومع أن تغير المناخ هو عامل طويل الأمد، فإن سياسات الصيد يمكن تعديلها بسرعة نسبية، وهو ما يعطي الأمل في تثبيت أوضاع الفصيلة قبل فوات الأوان.
ما الذي تحتاجه البطاريق للبقاء؟
تجمع أغلب الدراسات البيئية على أن إنقاذ هذا النوع يتطلب مزيجًا من الإجراءات، إدارة مستدامة لمصايد السردين وإعادة تقييم حصص الصيد سنويًا بناءً على مؤشرات المخزون.
وتوسيع نطاق مناطق الحظر البحري في مواقع التكاثر الحساسة.
وتعزيز برامج الحماية البرية، بما في ذلك بناء أعشاش اصطناعية مقاومة للحرارة، ورعاية الفراخ التي يفشل والداها في تغذيتها.
ومراقبة مستمرة تربط بين تغيرات المناخ وحركة الأسماك، لتوقع موجات نقص الغذاء قبل وقوعها.
هذه الخطوات، مجتمعة، يمكن أن تحافظ على ما تبقى من البطاريق الإفريقية، لكنها تتطلب جهودًا منسّقة بين الجهات الحكومية والباحثين وصناعة الصيد والمجتمعات الساحلية.
قصة البطاريق الإفريقية ليست مجرد سرد لمأساة بيئية، بل تذكير مباشر بأن النظم الطبيعية، مهما بدت قوية، يمكن أن تنهار بسرعة حين تُختل إحدى حلقاتها الأساسية.
ورغم أن أعداد البطاريق اليوم تقف عند أدنى مستوياتها في التاريخ الحديث، فإن الخبراء يؤكدون أن الفرصة ما تزال موجودة، وأن القرارات التي تُتخذ في الأعوام المقبلة قد تحدد ما إذا كانت هذه الفصيلة ستستعيد توازنها.. أم ستصبح شاهدًا جديدًا على تأثير الإنسان في البحار.



