كيف تكتب سيرة ذاتية تجتاز أنظمة ATS في الشركات الكبرى؟

في عالم التوظيف اليوم، لم تعد السيرة الذاتية تُقرأ أولًا بواسطة موظف الموارد البشرية كما كان يحدث في الماضي.
لقد أصبح الطريق إلى يد المدير المسؤول يمر عبر “بوّابة إلكترونية” صارمة تُعرف بأنظمة تتبع المتقدمين، أو ما يسمى بـ ATS” Applicant Tracking Systems”.
هذه البرامج تُستخدم على نطاق واسع في الشركات الكبرى، وعلى رأسها المؤسسات العالمية التي تستقبل آلاف السير الذاتية يوميًا.
ولذلك، فإن كتابة سيرة ذاتية لا تجتاز هذا النظام يشبه إرسال رسالة لا تصل إلى صندوق البريد. تختفي وسط الزحام، قبل أن ينظر إليها أي إنسان.
لكن ماذا يعني ذلك عمليًا؟ وكيف يمكن للمرشّح أن يكتب سيرة تتوافق مع خوارزميات هذه الأنظمة، دون أن يفقد لمسته الإنسانية أو احترافيته؟
هذا ما تحاول كثير من التحليلات المنشورة في منصات التوظيف العالمية، مثل LinkedIn وIndeed وSHRM، الإجابة عنه منذ سنوات، باعتبار أن هذه الأنظمة أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية التوظيف في الشركات الكبرى.
تعمل أنظمة ATS على تصنيف السير الذاتية، وترتيبها، وفرز غير الملائم منها خلال ثوانٍ.
تعتمد على خوارزميات تكتشف الكلمات المفتاحية، وصياغة الخبرات، وطريقة عرض المسؤوليات، وحتى الثبات في تنسيق النص.
لا تحتاج إلى “ذكاء” كامل؛ بل إلى مطابقة حرفية في كثير من الأحيان بين السيرة الذاتية ووصف الوظيفة.
وهذا ما يجعل الخلل البسيط، مثل استخدام تصميم غير قابل للقراءة آليًا أو كتابة محتوى بلا كلمات مفتاحية، سببًا مباشرًا لرفض الـcv قبل وصوله إلى الموظف المختص.
أول خطوة
تؤكد دراسة نشرها موقع Indeed حول طريقة عمل أنظمة التوظيف أنّ الكلمات المفتاحية هي نقطة البداية.
فالنظام يقرأ وصف الوظيفة الأصلي، الذي يرسل القسم المعني داخل الشركة، ويحوّله إلى قائمة من المهارات والكفاءات المطلوبة.
هذه الكلمات تصبح “شفرة” يجب أن تظهر في السيرة الذاتية، بشكل منطقي وغير مصطنع.
على سبيل المثال، إذا كانت الوظيفة تطلب “Project Coordination ،Budget Tracking ،Reporting ،Stakeholder Management”، فمن الضروري أن تتكرر الكلمات نفسها، أو أقرب صيغة لها، داخل السيرة.
لكن النقطة الأساسية هنا أن الأمر لا يتعلق بالنسخ الحرفي، بقدر ما يتعلق بـ“الانسجام”.
فحسب تحليل نشره LinkedIn Talent Solutions، فإن الأنظمة الحديثة قادرة على فهم الصيغ المختلفة للكلمة، لكنها لا تزال تفضّل التطابق المباشر لأنها أكثر دقة في التصنيف.
التصميم شرط للنجاة
تذهب كثير من النصائح المنتشرة على الإنترنت إلى اتجاه خاطئ، وهو عرض سيرة ذاتية “مبتكرة”، أو “تصميم بصري مذهل”، أو “ألوان قوية ملفتة”.
لكن الشركات الكبرى ليست معرضًا فنيًا.
أنظمة ATS قد تفشل في قراءة الجداول المعقدة، أو الأعمدة المتعددة، أو الرموز، أو أيقونات المهارات. بل إن بعض الأنظمة تفشل في قراءة ملفات PDF ذات الطبقات الرسومية.
ووفق تقرير نشرته SHRM (جمعية إدارة الموارد البشرية الأمريكية)، فإن أكثر التنسيقات توافقًا مع ATS هي ملف Word بسيط، بخط واحد، بدون نصوص فوق الصور أو داخل مربعات نصية منفصلة.
ويحذّر التقرير من أن بعض المرشحين يضيفون عناصر رسومية لجعل سيرتهم “عصرية”، لكنها في الواقع تؤدي إلى استبعادها تلقائيًا.
لذا، فإن البناء البصري يجب أن يكون بسيطًا، منسّقًا، يعتمد على العناوين الواضحة كالخبرة والتعليم والمهارات والإنجازات.
الخبرة والإنجاز
هنا يقع الخطأ الأكبر لدى المرشحين. فالكثيرون يكتبون خبراتهم على هيئة “قائمة مهام”، مثل “متابعة البريد الإلكتروني، إعداد التقارير، التواصل مع العملاء”.
لكن الأنظمة تقرأ الأفعال المجردة بشكل ضعيف، بينما يفضّل مسؤولو التوظيف الإنجازات القابلة للقياس.
وهذا ما تشير إليه Harvard Business Review في عدة مقالات حول تقييم المواهب، إلى أن الشركات الكبرى تبحث عمّا أنجزته، لا عمّا كنت تفعله بشكل يومي.
الطريقة المهنية التي تساعد على اجتياز ATS واجتذاب الانتباه البشري بعد ذلك هي استخدام نموذج “Action + Result + Metric”.
على سبيل المثال “إدارة حملات البريد الإلكتروني التي زادت معدل التفاعل بنسبة 32% خلال 3 أشهر”، أو “تنسيق مشروع تطوير نظام داخلي أدى إلى تقليل الأخطاء التشغيلية بنسبة 18%”.
هذه الطريقة تخاطب الخوارزمية والإنسان في الوقت نفسه.
الملاءمة
تشير تقارير LinkedIn إلى أن الشركات الكبرى لا تفضّل سيرة ذاتية طويلة، بل سيرة “محددة للوظيفة”.
هذا يعني أن كتابة سيرة واحدة وإرسالها إلى عشرين شركة هو خطأ استراتيجي.
السيرة يجب تعديلها يدويًا لكل وظيفة، بإعادة ترتيب الخبرات، وتحريك المهارات الأكثر صلة إلى الأعلى، وتعديل الكلمة المفتاحية بحيث تعكس الوصف الوظيفي نفسه.
ولذلك، فإن المرشح الذي يرسل عشر سير ذاتية متخصصة لفرص محددة، يحصل على معدل استجابة أعلى بكثير من شخص يرسل خمسين سيرة عامة.
الملف المختصر في أعلى السيرة
توصي HubSpot HR في دليلها السنوي للتوظيف الرقمي بالاعتماد على فقرة قصيرة في أعلى السيرة بعنوان Professional Summary أو Profile.
هذه الفقرة يجب أن تكون من ثلاث إلى أربع جمل، تذكر فيها التخصص الدقيق، عدد سنوات الخبرة (إن وجدت)، والمهارات الأساسية المرتبطة بالوظيفة.
مثال “متخصص في تحليل البيانات بخبرة عامين في بيئات الأعمال الرقمية. مهارة في SQL وPower BI وتحليل سلوك العملاء. أسعى لتوظيف الأدوات الرقمية لدعم اتخاذ القرار”.
هذه الفقرة تساعد النظام على التعرف على المرشح من السطور الأولى، وتسهّل التصنيف.
بين المهارات التقنية والناعمة
كثير من المرشحين يملؤون هذا الجزء دون وعي بما تفضّله الأنظمة. فالمهارات يجب أن تُقسم، بشكل غير مباشر، إلى فئتين؛ مهارات تقنية Technical Skills، مثل Python، Excel، AutoCAD، Google Analytics، Adobe Illustrator.
ومهارات ناعمة Soft Skills، مثل التواصل، العمل ضمن فريق، القيادة، التفاوض.
لكن من المهمّ إضافة المهارات التي تطلبها الوظيفة فقط، بدلاً من وضع قائمة واسعة غير مرتبطة.
الأنظمة تعتبر المهارات غير ذات الصلة “ضجيجًا” قد يخفض درجة الملاءمة.
ملف LinkedIn ليس ملحقًا
تشير إحصاءات LinkedIn الرسمية إلى أن أكثر من 70% من مسؤولي التوظيف في الشركات الكبرى يتوجهون مباشرة إلى الملف الشخصي للمرشح بعد قراءة سيرته.
بل إن بعض أنظمة ATS مرتبطة تقنيًا بملف LinkedIn؛ بحيث تقارن بين المعلومات المكتوبة في السيرة وما هو موجود على المنصة لضمان التطابق.
هنا تظهر أهمية الحفاظ على ملف محدّث، يحتوي على تاريخ وظيفي مطابق للسيرة، ونماذج أعمال وروابط يمكن الرجوع إليها.
هل الصور ضرورية؟
في الولايات المتحدة وأوروبا، تميل الشركات الكبرى إلى رفض الصور في السير الذاتية تجنبًا لأي تحيّز، وفق ما تؤكده عدة تحليلات نشرها The Balance Careers وBusiness Insider.
لكن بعض الأسواق، مثل الشرق الأوسط، لا تزال تقبل الصور في سياقات معينة.
مع ذلك، فإن القاعدة الآمنة لاجتياز ATS هي عدم وضع الصورة لأن الأنظمة لا “تقرأها”، وقد تسبب مشاكل تقنية في بعض الملفات.
ماذا عن الأدوات التي تزعم “اجتياز ATS” تلقائيًا؟
ظهرت خلال السنوات الأخيرة عشرات الأدوات التي تعد بتحليل السيرة الذاتية وتحديد احتمالات قبولها.
لكن كثيرًا من هذه الأدوات يعتمد على خوارزميات بسيطة، وليس على قواعد ATS الحقيقية المستخدمة في الشركات الكبرى.
الأدوات المفيدة الوحيدة، طبقًا لخبراء الموارد البشرية في Forbes، هي تلك التي تساعد على مقارنة الكلمات المفتاحية، وليس تلك التي تقيّم فرص القبول.
اجتياز ATS ليس هدفًا بحد ذاته
هناك حقيقة يغفلها الكثيرون، وهي أن السيرة الذاتية التي تجتاز ATS هي مجرد الخطوة الأولى.
الخطوة التالية، والأهم، هي أن يجد الموظف المختص شيئًا مختلفًا يجعله يرغب في إجراء مقابلة.
التميّز لا يأتي من الكلمات المفتاحية وحدها، بل من “سرد واضح، إنجازات قابلة للقياس، لغة مهنية، وتخصص محدد”.
السيرة القوية ليست التي تملأ كل السطور، بل التي تترك أثرًا واثقًا دون مبالغة.



