تريند

كيف تحوّلت ألعاب الأطفال إلى بوابة للمحتوى الجنسي والاستغلال الرقمي؟

لم يعد عالم لعب الأطفال بسيطًا كما كان. فبعد عقود كان التركيز فيها على المخاطر التقليدية مثل الاختناق والرصاص، باتت الصناعة اليوم أمام تهديدات أكثر تعقيدًا، يختلط فيها الذكاء الاصطناعي بالتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، بينما تتسع دائرة المنتجات المزيفة والسامة التي تتسلل إلى المنازل دون رقابة كافية.

يصدر هذا العام التقرير الأربعون لـ U.S. PIRG Education Fund تحت عنوان Trouble in Toyland، وهو أحد أهم التقارير المستقلة التي تتعقب المخاطر المرتبطة بالألعاب في السوق الأميركية.

وبينما يشير التقرير إلى تحسن عام في مستويات السلامة مقارنة بثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فإن الصورة الحالية أبعد ما تكون عن الاطمئنان.

فالتهديدات القديمة لم تختف، بل انضمّت إليها موجة جديدة أكثر تعقيدًا، خصوصًا الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمنتجات المستوردة منخفضة الجودة.

من خلال اختبارات متعددة شملت ألعابًا ذكية، ومنتجات سامة، ودمى مزيفة، ومواد خطرة مثل water beads، يعرض التقرير مشهدًا متشابكًا لقطاع يزداد خطورة رغم تطور التشريعات والمعايير، ما يجعل مهمة الآباء أكثر صعوبة في عام 2025.

ذكاء اصطناعي… لكن بلا طفولة

أخطر ما توصل إليه التقرير هذا العام يتعلق بفئة الألعاب التي تتحدث مع الأطفال باستخدام نماذج لغوية مشابهة لتلك المستخدمة في المحادثات مع البالغين.

وقد أخضع الباحثون أربعة ألعاب تعتمد على روبوتات محادثة مدمجة لاختبارات متعددة، فكانت النتائج صادمة.

بعض هذه الألعاب خاضت حوارات طويلة حول موضوعات جنسية صريحة، من دون أي طلب مباشر من الباحثين.

إحداها قدمت معلومات وأفكارًا لا يمكن طباعتها في تقرير عام بحسب ما ذكر التقرير الأصلي.

لعبة أخرى لم تتردد في تقديم نصائح حول أماكن العثور على أعواد الثقاب أو السكاكين، وهو محتوى بالغ الخطورة بالنسبة للأطفال.

بعض الدمى أبدت انزعاجًا عندما حاول الباحث “المغادرة”، ما يعكس ميلًا لسلوكيات ارتباط غير صحية قد تؤثر نفسيًا على الأطفال في هذه الفئة العمرية الصغيرة.

هذا كله يحدث بينما تُعلن شركات التكنولوجيا الكبرى، ومن بينها الشركات المطوّرة لنماذج لغوية شهيرة، أن أدواتها العامة غير مخصّصة للأطفال أصلًا، ولا تزال تعاني من مشكلات تتعلق بالدقة، والتحيز، والسلوك غير المتوقع.

أما الألعاب التجارية، فتعتمد على نماذج مشابهة لكنها أقل مراقبة ومقدرة، وأحيانًا أقل أمانًا.

ورغم أن بعض الشركات وضعت “حواجز حماية” لتقييد سلوك هذه الأنظمة، إلا أن فعاليتها، وفقًا للتقرير، متذبذبة وتتوقف عند حد معين.

بعض الدمى تتصرف بشكل مقبول لساعات، ثم تنهار تلك الحواجز فجأة، فتبدأ بتقديم محتوى ضار.

تزداد الخطورة حين نضع في الاعتبار أن هذه الألعاب تُسوّق للأطفال من سن 3 إلى 12 عامًا، وهي فئة لا تستطيع إدراك الحدود بين الحقيقة والخيال، ولا تملك القدرة على تقييم صدقية المعلومات التي تتلقاها.

التجسس من غرفة اللعب: ما الذي تجمعه الألعاب الذكية؟

يحذر التقرير أيضًا من الجانب الخفي لهذه الألعاب، وهو الاستماع والتسجيل. فلكي تتمكن الدمى من “المحادثة”، فهي تحتاج إلى التقاط صوت الطفل باستمرار. لكن اختلاف آليات الاستماع يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.

بعض الألعاب تعمل بزر “اضغط لتتحدث”. أخرى تستخدم كلمة إيقاظ شبيهة بالمساعدات الذكية، وتستمر في التسجيل لمدة عشر ثوانٍ بعد انتهاء الحديث.

أما اللعبة الأخطر، فهي تلك التي تستمع طوال الوقت، وقد فوجئ الباحثون بأنها تدخلت في حوار في الغرفة من دون أن يوجه أحد إليها أي طلب.

تسجيل أصوات الأطفال لا يمثل مسألة بسيطة. فالصوت يعدّ من البيانات الحساسة للغاية، إذ يمكن استغلاله لإنشاء نسخة صوتية مزيفة للطفل.

في السنوات الأخيرة ظهرت حالات متعددة استخدم فيها المحتالون هذه التقنية لخداع الآباء عبر مكالمات تزعم اختطاف الطفل.

إحدى الأمهات قدّمت شهادتها أمام مجلس الشيوخ الأمريكي في 2023 حول تجربة مشابهة.

كل ذلك يجعل اللعب، المفترض أن يكون مساحة للتعلم والمتعة، ساحة محفوفة بالتهديدات الرقمية، خصوصًا مع غياب تشريعات واضحة تحدّد نوع البيانات التي يجوز جمعها من الأطفال وآليات تخزينها وحذفها.

عودة السموم: الرصاص والفثالات في ألعاب بلا رقابة

ورغم كل هذه المستجدات، فإن المخاطر التقليدية لا تزال قائمة. فالتقرير يكشف عن عدد من المنتجات التي تحتوي على رصاص وفثالات بنسبة تتجاوز الحدود القانونية، وغالبًا ما يتم استيرادها من مصانع صغيرة غير خاضعة لإجراءات فحص صارمة.

هذه المواد لا تسبب مشكلات بسيطة، بل ترتبط بأضرار عصبية وتطورية خطيرة لدى الأطفال.

تقرير لجنة السلامة الأميركية للمنتجات الاستهلاكية (CPSC) يشير إلى أنه حتى منتصف 2025، صدرت 498 مخالفة تتعلق بالألعاب، كان 89% منها لمنتجات قادمة من الصين. ومن بين هذه الشحنات، حملت 129 منها مواد سامة مخالِفة للمعايير.

وتوضح اللجنة أن شحنة واحدة قد تحتوي على آلاف القطع، ما يعني أن خطأ واحدًا يمكن أن ينتشر في آلاف المنازل.

هذه هي الألعاب التي تم ضبطها فقط؛ أما تلك التي تمر دون كشف، فلا يوجد تقدير رسمي لعددها، ما يستدعي الإشارة إلى هذا الخلل باعتباره فجوة خطيرة في منظومة الرقابة.

التجارة الإلكترونية… بوابة للمنتجات المزيفة

يُرجّح التقرير أن اعتماد المستهلكين المتزايد على التسوق عبر الإنترنت جعل مهمة شراء ألعاب آمنة أكثر صعوبة. فمع تعدد البائعين المستقلين وتنوع الموردين الخارجيين، أصبح التحقق من منشأ الألعاب وجودتها مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لعموم الأسر.

أحد الأمثلة اللافتة لهذا العام هو انتشار دمى Labubu المقلدة في السوق الأميركية، بعد مصادرة آلاف الوحدات منها منذ بداية 2025.

الألعاب المقلدة لا تخضع لاختبارات السلامة، ولا تلتزم بالمواد المسموح بها، ما يجعلها أحد أخطر مصادر التهديد للأطفال.

إصابات لا تتراجع… وأرقام مقلقة

على الرغم من اعتقاد الخبراء بأن الألعاب أصبحت أكثر أمانًا خلال العقود الماضية، إلا أن الأرقام لا تؤكد ذلك. فالإصابات المرتبطة بالألعاب داخل غرف الطوارئ الأميركية بلغت 167500 إصابة لأطفال حتى سن 14 في 2023، وهو رقم قريب للغاية من أرقام عام 2016، ما يعني أن التقدم لم يكن جوهريًا.

الأطفال تحت سن الرابعة يمثلون الفئة الأكثر تعرضًا للخطر، مع تسجيل 83800 إصابة في 2023، بينهم كثيرون لا يمكنهم حتى قراءة التحذيرات على العبوات.

ورغم تراجع طفيف خلال عامي 2020 و2021، فإنه يُرجَّح أن ذلك كان مرتبطًا برغبة الأسر في تجنب المستشفيات خلال جائحة كوفيد-19، لا بانخفاض المخاطر الفعلية.

مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأطفال، واشتداد المنافسة بين البائعين الإلكترونيين، وعودة المنتجات السامة والمزيفة، تبدو مهمة الاختيار الآمن أصعب من أي وقت مضى.

ويخلص التقرير إلى توصية أساسية، أنه لا ينبغي أن يُترَك الأطفال وحدهم أمام ألعاب قادرة على التحدث، أو التسجيل، أو التفاعل بطرق غير متوقعة.

كما يدعو إلى تشديد الرقابة على الواردات، وتحديث التشريعات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي الموجه للأطفال، وتعزيز الوعي لدى الأسر خلال موسم التسوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى