حياة

هل يجب غسل زجاجة المياه يوميًا؟ العلم يكشف الحقيقة الكاملة

من السهل أن يتعامل كثيرون مع زجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام بوصفها أدوات نظيفة بطبيعتها. 

فالمحتوى ماء شفاف لا لون له ولا رائحة ويمنح إيحاءً بالنقاء، حتى لمن لا يحرصون على تنظيف الزجاجة بانتظام. 

لكنّ ما تخفيه الحقيقة العلمية مختلف تمامًا. إذ تؤكد دراسات وأبحاث حديثة، إضافة إلى خبراء في الميكروبيولوجيا وطب الأسرة والصحة العامة، أن زجاجات المياه قد تتحول إلى بؤر صغيرة لنمو أنواع من البكتيريا والعفن، حتى حين لا تُملأ إلا بالماء فقط.

يبدو الأمر بسيطًا، وربما غير مستحق لكثير من القلق. لكن وفق مختصين في مراكز طبية معروفة في الولايات المتحدة، فإن تجاهل تنظيف الزجاجة قد يقود إلى مشكلات صحية تتراوح بين تهيّجات بسيطة في الحلق وصولًا إلى تفاقم حالات الربو والحساسية.

لماذا تتسخ زجاجة المياه… حتى لو كانت مليئة بالماء فقط؟

تبدأ القصة من نقطة الدخول الأساسية لكل الجراثيم؛ الفم واليد. 

كلما وضعنا فوهة الزجاجة في الفم، تنتقل إليها بكتيريا طبيعية تعيش عادة في الجهاز التنفسي أو على سطح الجلد. 

وحين نلمس الغطاء أو الماصة بأيدٍ غير مغسولة، تنتقل أنواع أخرى من الميكروبات. 

هنا لا نتحدث عن «اتساخ ظاهر»، بل عن جزيئات متناهية الصغر يصعب رؤيتها أو ملاحظتها، لكنها قادرة، في الظروف المناسبة، على النمو والتكاثر.

توضح ميشيل كنيبر، الممرضة المتخصصة في مركز جامعة بيتسبرغ الطبي، أن إهمال تنظيف الزجاجة ليس مسألة شكلية، بل «أمر في غاية الأهمية» بسبب طبيعتها المُشبَّعة بالزوايا الضيقة والفراغات الصغيرة التي يصعب الوصول إليها أثناء التنظيف العابر. 

مثل هذه التجاويف قد تتحول إلى بيئة خصبة لنمو العفن والبكتيريا، خصوصًا في الزجاجات ذات التصميم المعقد.

واستنادًا إلى دراسات أُجريت في أقسام الصحة البيئية بجامعات أمريكية، فإن الزجاجة التي لا تنظَّف بانتظام قد تحتضن مجموعات بكتيرية شبيهة بتلك التي تتواجد على الأجهزة الإلكترونية أو مقابض الأبواب، الأماكن التي يُنصَح بتعقيمها بشكل دوري.

المشكلات الصحية المحتملة… ليست مجرد مبالغة

قد يبدو للبعض أن الأمر لا يستحق كل هذا التفصيل. فهل يمكن لزجاجة مياه أن تسبب أذًى حقيقيًا؟

الجواب نعم، وإن كانت الحالات الخطيرة نادرة.

يقول مايك رين، طبيب طب الأسرة في كلية بايلور للطب، إن المشكلة ليست «كارثية»، لكنها أيضًا ليست بدون أثر. فاستنشاق أو ابتلاع جراثيم ناتجة عن نمو بكتيري داخل الزجاجة قد يؤدي إلى تهيّج الحلق أو الشعور بخدش عند البلع.

إضافة إلى اضطرابات معوية خفيفة. وتفاقم أعراض الحساسية. وزيادة احتمالات نوبات الربو لدى الأشخاص المصابين به.

ويوضح رين أن تنظيفها ليس معقدًا «لن تأخذ منك العملية سوى دقائق، لكنها تحدث فرقًا كبيرًا في صحتك».

هل يختلف الأمر باختلاف نوع الزجاجة؟

بحسب الخبراء، فإن نوع المادة ليس العامل الأكثر حسمًا. 

فجميع الزجاجات سواء كانت معدنية أو زجاجية أو بلاستيكية يمكن أن تصبح ملاذًا للميكروبات إن لم تُنظَّف.

لكن البلاستيك يظل الأقل تفضيلًا لسببين، الأول سهولة الخدش داخل الزجاجة البلاستيكية، وهو ما يوفر جيوبًا مجهرية تختبئ فيها البكتيريا.

والثاني تفاعل بعض أنواع البلاستيك مع درجات الحرارة، مما يجعلها عرضة للتلف مع مرور الزمن، وبالتالي أقل أمانًا للاستخدام المتكرر.

مع ذلك، يظل العامل الصحي الأكثر أهمية هو طريقة التنظيف، وليس المادة بحد ذاتها.

كيف تنظف زجاجة المياه بالطريقة الصحيحة؟

ليست هناك وصفة واحدة «مثالية»، لكن هناك مبادئ متفق عليها بين الخبراء. أبسطها وأكثرها فعالية:

  • استخدام إسفنجة أو فرشاة زجاجات مع ماء دافئ وصابون.
  • الوصول إلى المناطق الضيقة باستخدام فرشاة نحيفة أو أدوات شبيهة بفرش الأنابيب.
  • تنظيف الغطاء والصمامات والماصّات جيدًا، فهي عادة أكثر الأماكن تجمّعًا للجراثيم.
  • شطف الزجاجة وتركها لتجف تمامًا قبل إعادة الإغلاق.

وتشير أبحاث في علوم الأغذية والمياه إلى أن الرطوبة المحبوسة داخل الزجاجة تساعد على نمو العفن، لذا فإن التجفيف جزء أساسي من التنظيف وليس خطوة اختيارية.

هل نحتاج إلى التنظيف العميق؟

عند الحاجة، أو مرة أسبوعيًا على الأقل، يمكن اللجوء إلى وضع الزجاجة في غسالة الصحون إذا كانت مصنوعة من مواد مناسبة للتحمّل الحراري.

أو استخدام أقراص تنظيف أطقم الأسنان أو المثبّتات الليلية، إذ تحتوي على مركّبات مضادة للبكتيريا تذوب سريعًا في الماء.

ويمكن استخدام الخلّ الأبيض أو بيكربونات الصوديوم، اللذان أثبتا فاعلية جيدة في تفكيك الرواسب والتخلص من الروائح.

وبحسب رين، فإن التنظيف اليومي هو الخيار الأفضل، لكن إن شعر المستخدم أن الروتين مرهق، فالأهم أن يحافظ على «حد أدنى» من النظافة، ولتكن كل يومين أو ثلاثة أيام، مع الحرص على شطف فوهة الشرب عند كل تعبئة.

ماذا لو كانت الزجاجة تُملأ بمشروبات أخرى غير الماء؟

هنا تتغير القاعدة تمامًا.

البروتينات، المشروبات السكرية، الطاقة، وحتى القهوة أو الشاي البارد، كلها تترك طبقة لاصقة على الجدران الداخلية للزجاجة، وهي طبقة تحبها البكتيريا أكثر بكثير من الماء الصافي.

في هذه الحالة، يجب غسل الزجاجة يوميًا دون استثناء، وبمستوى تنظيف أعلى يشمل تفكيك المكونات وإزالة أي بقايا.

هل من الآمن ترك الماء في الزجاجة طوال الليل؟

لا يوجد اتفاق كامل بين الخبراء، لكن يمكن التوصل إلى قاعدة وسطية، فبعض المختصين يوصون بالتخلص من الماء مع كل تعبئة، وآخرون يرون أن الماء يمكن أن يبقى لساعات طويلة دون ضرر.

رين يقدّم تفسيرًا معتدلًا “ترك الماء لليلة واحدة لا يبدو مشكلة كبيرة، بشرط التخلص من الماء القديم بعد يومين أو ثلاثة على الأكثر. المهم هو عدم ترك الماء لفترات طويلة، خاصة في الزجاجات البلاستيكية أو في الأماكن ذات الحرارة المرتفعة”.

علامات التحذير… متى يجب التخلص من المياه أو الزجاجة بالكامل؟

هناك علامات لا تحتمل التردد:

  • ظهور عفن مرئي داخل الزجاجة أو في الغطاء.
  • صدور رائحة غير مألوفة من الماء أو من جدار الزجاجة.
  • تغيّر لون الجزء الداخلي، خصوصًا في البلاستيك.

ويؤكد خبراء الصحة البيئية أن الزجاجة التي تظهر عليها علامات التلوث الواضحة لا ينبغي استخدامها مرة أخرى قبل تنظيف عميق، وقد تحتاج في بعض الحالات إلى الاستبدال.

أما الزجاجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، فيجب تجنب إعادة تعبئتها لأنها قد تُسرّب مواد كيميائية إلى الماء مع مرور الوقت.

تقول آيفي سَن، الباحثة في جامعة جورجيا الجنوبية، إن تنظيف زجاجة المياه «ليس مجرد عمل منزلي بسيط»، بل خطوة أساسية للحفاظ على الصحة، خصوصًا للأطفال. 

وتضيف: «نغسل زجاجاتنا وزجاجات أطفالنا يوميًا. الأمر بسيط، لكنه يحدث فرقًا كبيرًا على المدى الطويل».

ورغم اختلاف روتين كل شخص، يظل المبدأ واحدًا، لا تترك زجاجتك من دون تنظيف. 

فحتى أصغر طبقة من الرواسب قد تتحول إلى مكان تنمو فيه ميكروبات لا تُرى بالعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى