من لعبة مثيرة للجدل إلى فيلم سينمائي.. هل تصبح لابوبو باربي الجديدة؟

في عالم يزداد فيه تأثير الثقافة الرقمية، ويصعد فيه نجم الألعاب والمنتجات المرتبطة بالإنترنت بقدر صعود الأبطال السينمائيين، يبدو أن دمية Labubu تتحول تدريجيًا إلى ظاهرة عالمية لن تظل حبيسة الرفوف طويلاً.
فبعد انتشارها الواسع، تستعد الشخصية الغريبة بأذنيها الطويلتين وملامحها الهجينة للقفز من عالم الدمى المصغرة إلى شاشة السينما، وذلك بعد أن حصلت «سوني بيكتشرز» على حقوق إنتاج فيلم طويل عنها، في خطوة قد تفتح الباب لأحد أكبر الامتيازات التجارية الجديدة في هوليوود.
الأنباء التي جاءت عبر «هوليوود ريبورتر» أوضحت أن الصفقة وُقعت هذا الأسبوع بين الشركة اليابانية الأمريكية العملاقة وبين صُنّاع الدمية، وهي شركات صينية تتعاون مع الفنان الأوروبي كاسينغ لونغ، مبتكر التصميم الأصلي للشخصية.
ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، من دون مخرج أو منتج معلن حتى الآن، فإن التوقعات في الوسط السينمائي تشير إلى أن الفيلم، في حال نجاحه، قد يتحول إلى ركيزة أساسية لامتياز ضخم متعدد الأجزاء، تمامًا كما حدث مع أعمال مستوحاة من الألعاب والدمى خلال السنوات الماضية.
لكن السؤال الأكبر يظل: كيف وصلت دمية بدأت قصتها في متجر ألعاب هونغ كونغي إلى أبواب واحد من أكبر استوديوهات العالم؟
من متجر صغير إلى هوس عالمي
تعود بدايات لابوبو إلى أعمال الفنان كاسينغ لونغ، الذي نشأ في هونغ كونغ ثم انتقل في شبابه إلى هولندا.
هناك، تأثر بعمق بالأساطير الإسكندنافية وقصص “الغابة الشمالية”، وهي خليط من الحكايات الشعبية التي تجمع بين الظُلمة والبراءة.
من هذا المزاج، ولدت شخصية Labubu، بمظهرها الذي يمزج بين اللطف والرعب الخفيف، وبعيون واسعة وأذنين تشبهان مخلوقات الفلكلور الأوروبي.
ظهرت الدمية أولًا ضمن خطّ من “الوحوش الصغيرة” الذي كانت تنتجه شركة How2Work، قبل أن تنفجر شعبيتها بشكل هائل في جنوب شرق آسيا عام 2019، حين تبنتها شركة التجزئة الصينية Pop Mart التي اشتهرت بتسويق منتجات «الصناديق العمياء» أي الصناديق التي تحتوي على دمية عشوائية من بين مجموعة محدودة، ما يخلق حالة من الترقب والمراهنة.
هذا النموذج التسويقي، الذي يعتمد على الندرة، والفوضى المنظمة، وحمى الجمع بين الإصدارات النادرة، جعل لابوبو تنتشر كالنار في الهشيم، خصوصًا مع صعود ثقافة “فتح الصناديق” (Unboxing) على تيك توك ويوتيوب، حيث ينافس المحتوى الذي يظهر مجموعات نادرة أو لحظات العثور على قطعة “سوبر رير” ملايين المشاهدات يوميًا.
وبين لحظة وأخرى، تحول الأمر من لعبة لطيفة إلى هوس عالمي.
مشاهير يرفعون الدمية إلى مصاف “الإكسسوارات الفاخرة”
كان أحد أهم أسباب الارتفاع الصاروخي لشعبية اللعبة هو دخول المشاهير على الخط.
فالمغنية العالمية ليسا، عضو فرقة بلاكبينك، شوهدت وهي تضع دمى لابوبو الصغيرة على حقائبها في المطارات والحفلات. وبفضل قاعدتها الجماهيرية الهائلة، ارتفعت مبيعات الإصدارات المحدودة من الدمية بشكل لافت.
لاحقًا، تبعتها نجمة البوب ريانا والممثلة إيما روبرتس، إذ ظهرت كل منهما في صور متداولة وهي تحمل إحدى النسخ النادرة من لابوبو، ما عزز الصورة الذهنية للدمية كـ إكسسوار “فاخر” لا يقل عن حقائب المصممين أو المجوهرات الصغيرة.
ومع كل هذا الزخم، تحولت الدمية إلى سلعة تُباع في السوق الثانوية بأسعار مذهلة.
فقد سجلت مزادات آسيوية مبيعات لقطع محدودة تجاوزت حدود ستة أرقام بالدولار أرقام يصعب تخيلها بالنسبة لدمية من البلاستيك والمطاط، لكنها تبدو منطقية في عالم الهوس الجمعي.
350% نمو في الأرباح… كيف غيّرت لابوبو قطاع الألعاب الممتازة؟
خلال العام الماضي فقط، أعلنت Pop Mart عن زيادة في الأرباح بنسبة 350% مقارنة بالعام السابق، وهو ارتفاع يعكس ليس فقط شعبية Labubu، بل الشعبية الأوسع لثقافة “الألعاب القابلة للجمع”.
لكن لابوبو تظل في المقدمة، لأنها جمعت بين ثلاثة عناصر نادرة:
- تصميم فني جذاب
- تسويق استثنائي عبر الصناديق العمياء
- دعم ثقافي من المشاهير
هذه الوصفة صنعت منها أكثر من لعبة… بل علامة تجارية كاملة.
وفي ظل هذا النجاح التجاري، بدا طبيعيًا أن تتوجه أنظار هوليوود إليها.
سوني تدخل على الخط: هل يكون الفيلم حيًّا أم رسومًا؟
حتى الآن، تظل معظم تفاصيل المشروع السينمائي سرية. فلا يوجد مخرج، ولا كاتب سيناريو، ولا حتى قرار بشأن ما إذا كان الفيلم سيكون Live-Action حيًا أم Animated.
لكن التعاون يأتي في لحظة مناسبة جدًا لسوني، التي حققت نجاحًا عالميًا عبر فيلم KPop Demon Hunters، ما جعل قسم الرسوم المتحركة لديها في موقع يسمح له بتبني مشروعات جديدة بجرأة.
ويرى مراقبون في هوليوود أن خيار الرسوم المتحركة هو الأكثر ترجيحًا، لأن عالم لابوبو وشخصياته الخيالية، مثل Zimomo وMokoko وTycoco، يحتاج إلى بناء بصري ومرئي يصعب تحقيقه في أعمال الحركة الحية دون ميزانيات ضخمة.
لكن في الوقت ذاته، تميل سوني إلى التجريب، وقد تفاجئ الجمهور بخيار هجين يمزج بين التقنيتين.
من “باربي” إلى “لابوبو”: الألعاب تتقدم على السينما
لم تكن “Labubu” اللعبة الوحيدة التي شقت طريقها إلى الشاشة خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن حصد فيلم Barbie أكثر من مليار دولار عالميًا في 2023، أصبحت هوليوود تنظر إلى الألعاب باعتبارها كنزًا مؤجلًا.
ووفق تقارير عديدة، قدمت شركة ماتيل قرابة 45 مقترحًا لمشروعات سينمائية مبنية على ألعابها، تتراوح بين «Hot Wheels» و«He-Man» و«Polly Pocket».
كل هذا ما كان ليحدث لولا النجاح الخارق لـ«باربي»، الذي أعاد تعريف العلاقة بين الفيلم والتسويق.
بينما في الماضي كانت الأفلام تولّد ألعابًا، أصبح الاتجاه اليوم مقلوبًا تمامًا؛ اللعبة تولّد الفيلم… والفيلم يضخم قيمة اللعبة. وهذا ما تراهن عليه سوني في حالة Labubu.
لماذا قد ينجح الفيلم؟
عوامل النجاح عديدة، قاعدة جماهيرية ضخمة في آسيا، وهي سوق أساسية في إيرادات السينما العالمية.
وتصميمات فنية قابلة للترويج، فالشخصيات بصرية جدًا، ويمكن أن تتحول بسهولة إلى ملصقات، هدايا، ومواد تسويقية.
خطّ الوحوش لدى How2Work يتضمن عشرات الشخصيات التي يمكن استخدامها لتطوير عالم خاص يشبه “Monsters Inc” أو “Minions”.
وماذا يمكن أن يعطّل المشروع؟
ورغم كل هذه العوامل، هناك تحديات محتملة، مثل نقص الخبرة السردية حول كيفية نقل لعبة بلا قصة واضحة إلى فيلم متماسك.
واحتمال أن يكون النجاح محصورًا في آسيا، ما يجعل السوق الغربية أصعب اختراقًا. فضلًا عن خطر إعادة إنتاج تجربة فاشلة مشابهة لأفلام ألعاب لم تنجح في شباك التذاكر.
لكن في هوليوود، لا توجد وصفة ثابتة، بل مجرد رهانات. ويبدو أن الشركات اليوم تراهن على كل ما يملك قاعدة جماهيرية عبر الإنترنت.
من لعبة إلى أيقونة… ثم إلى فيلم؟
سواء جاء الفيلم حيًا أو رقميًا، وسواء حقق نجاحًا عالميًا أو بقي رهانا تجاريًا محدودًا، فإن ما يحدث مع Labubu يعكس تحولًا كبيرًا في الثقافة الشعبية.
فالعالم الذي بدأ يرى الألعاب كأعمال فنية مصغرة، مرتبطة بالنُدرة والتسويق والمشاهير، هو نفسه العالم الذي يريد أن يرى هذه الشخصيات على الشاشة الكبيرة.
وفي هذا المشهد، تبدو لابوبو أكثر من مجرد دمية… بل رمزًا لثقافة جديدة تتشكل عند نقطة التقاء التصميم الفني، والسوشيال ميديا، والسينما.
وسواء أحبها الناس أم لم يفهموا سرّ انتشارها، يبقى شيء واحد مؤكدًا، المستقبل سيشهد المزيد من الألعاب التي تتحول إلى روايات سينمائية… ولابوبو الآن في مقدمة هذا الموج.



