وثائق جديدة تكشف تفاصيل خطة تقسيم غزة

منذ الأشهر الأولى للحرب على غزة، بدا أن النقاش الدولي حول مستقبل القطاع يتجاوز حدود الإغاثة العاجلة إلى هندسة سياسية وأمنية معقدة.
وفي الأسابيع الأخيرة، تكشفت ملامح خطة أمريكية تنطلق من فرضية تقسيم غزة على المدى الطويل إلى منطقتين؛ “منطقة خضراء” تخضع لسيطرة دولية بالتنسيق مع إسرائيل وتبدأ فيها عمليات إعادة الإعمار، و”منطقة حمراء” تبقى مدمّرة ومكتظة بالسكان، دون خطط فورية لإعادة البناء.
الخطة لا تزال في طور الإعداد، لكن الوثائق التي سرّبت للصحافة الغربية، إلى جانب تصريحات مسؤولين أمريكيين، تقدم صورة أوضح عن توجهات واشنطن، وعن السيناريو الذي قد يتحول إلى واقع سياسي في الأشهر المقبلة.
تستند الخطة إلى تقسيم فعلي موجود على الأرض، يتمثل في “الخط الأصفر” الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية، ويمتد من شمال القطاع إلى جنوبه.
هذا الخط أصبح عمليًا حاجزًا يفصل بين شرق غزة وغربها، حيث تتركز غالبية السكان الفلسطينيين في الشريط الساحلي المكتظ المعروف اليوم ضمن التصنيفات الأمريكية باسم “المنطقة الحمراء”.
في المقابل، يشير التخطيط الأمريكي إلى أن الشرق، الخاضع للوجود الإسرائيلي على نحو مباشر، يمكن أن يتحول إلى “منطقة خضراء” تُنشر فيها قوات دولية تشكّل نواة قوة “استقرار” جديدة، فيما تبدأ فيها مشاريع إعادة الإعمار، بهدف خلق بيئة مختلفة جذريًا عن الجزء الآخر من القطاع.
هذه التصورات تترافق مع اعتراف أمريكي بأن إعادة توحيد غزة على المدى القريب «طموح» أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ، كما قال أحد المسؤولين الأمريكيين لم تسمه الجارديان.
وهو تصريح يعكس حجم الفجوة بين الخطاب السياسي المعلن، الذي يتحدث عن “حل سياسي شامل”، وبين الواقع الأمني والميداني.

ضباب الخطط المتغيّرة: بين «الاستقرار» و«الواقع المتحرك»
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار قبل أسابيع، بدا أن واشنطن تتحرك عبر سلسلة من المقترحات التي تتغير بسرعة، حتى وصفها بعض الدبلوماسيين بأنها “خطط تُكتب بالقلم الرصاص”.
فعلى سبيل المثال، طرحت واشنطن قبل فترة مشروع “مجتمعات آمنة بديلة” (ASC)، وهو مقترح يقضي ببناء مناطق سكنية محاطة بأسوار، تستوعب مجموعات صغيرة من الفلسطينيين بشكل مؤقت.
غير أن هذا المقترح، الذي أثار اعتراضات من منظمات إنسانية، أُسقط مؤخرًا لصالح تصور أكثر ارتباطًا بالخريطة القائمة على الأرض.
وفق مصادر أمريكية، فإن التخلي عن نموذج “المجتمعات البديلة” جاء نتيجة إدراك أن أي خطة لا تستند إلى الوقائع العسكرية والسياسية الحالية ستكون غير قابلة للحياة.
ومع ذلك، ذكرت منظمات إنسانية أنها لم تُبلَّغ رسميًا عن هذا التغيير.
ومع غياب خطة واضحة لمرحلة ما بعد الحرب، يُحذّر وسطاء دوليون من دخول غزة في حالة “لا حرب ولا سلم”، حيث يستمر الاحتلال، وتغيب الإدارة المدنية الفلسطينية، ولا تنطلق عملية إعمار شاملة، ما يجعل القطاع عالقًا في فراغ سياسي قابل للانفجار.
قوة دولية مقترحة: بين الأمن والسياسة
تشكل “قوة الاستقرار الدولية” (ISF) ركيزة أساسية في الرؤية الأمريكية.
ووفقًا للوثائق التي اطلعت عليها صحف غربية، فإن واشنطن تعمل على طرح مشروع قرار في مجلس الأمن لمنح القوة الدولية تفويضًا رسميًا.
الخطة المُسربة تضع الدول الأوروبية في قلب هذه القوة، مع مشاركة أولية من المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وهولندا، ودول شمالية، تتراوح مهامها بين إزالة الألغام وتقديم الخدمات الطبية واللوجستية.
تشير الوثائق إلى أن بريطانيا قد تُخصص ما يقرب من 1,500 جندي، بينهم خبراء متفجرات وأطقم طبية ميدانية، بينما قد ترسل فرنسا ما يقرب من 1,000 جندي لتأمين الطرق والإشراف على البنية التحتية الحيوية.
أما ألمانيا ودول شمال أوروبا، فيُنتظر أن تتحمل عبئًا في تشغيل المستشفيات الميدانية والدعم اللوجستي.
مع ذلك، وصف دبلوماسيون أوروبيون الخطة بأنها “غير واقعية” في ظل تداعيات تجارب العراق وأفغانستان، حيث تراجعت رغبة الدول الأوروبية في الانخراط في مهمات عالية المخاطر.
ولم تُبدِ سوى إيطاليا استعدادًا مبدئيًا للنقاش حول إرسال قوات.
وتكشف الوثائق أن هذه التصورات كانت غير مصنّفة أمنيًا، ما يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تعتبرها خططًا حساسة، بل «مسودات عمل» قابلة للتبديل بسرعة.
مشاركة عربية؟ خلاف سياسي عميق
أُدرج الأردن ضمن قائمة الدول المقترحة للمشاركة في القوة الدولية، مع احتمال إرسال مئات من قوات المشاة و3,000 عنصر شرطة.
غير أن الملك عبد الله أعلن مبكرًا رفض بلاده المشاركة عسكريًا بسبب حساسية ارتباط الأردن بالقضية الفلسطينية، ولأن “الأردن قريب جدًا سياسيًا من غزة”، على حد وصفه. فإرسال قوات إلى غزة لتعمل بالتنسيق مع قوات إسرائيلية يُعد وصفة لاحتقان داخلي كبير، نظرًا لأن أكثر من نصف سكان الأردن من أصل فلسطيني.
ورغم ذلك، لا تزال وثائق التخطيط الأمريكية تتعامل مع الأردن على أنه شريك محتمل، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى تحديث تلك الوثائق.
انتشار محدود… وتوسع تدريجي
تُظهر خطط التشغيل الأمريكية أن القوة الدولية ستبدأ بشكل محدود في القطاع الشرقي، على أن تتوسع تدريجيًا لتصل إلى نحو 20,000 جندي في المرحلة الكاملة.
لكن وثيقة أخرى تُوضح أن هذه القوة لن تعمل غرب الخط الأصفر، حيث يُعتقد أن حماس تعيد تنظيم صفوفها في تلك المناطق.
هذا يعني أن واشنطن تتعامل منذ الآن مع واقع “قطاعين” فعليًا:
– قطاع شرقي تحت سيطرة إسرائيل وقوات دولية.
– وقطاع غربي مكتظ، يضم أكثر من مليوني شخص، بلا أفق إداري واضح.
ويشير مسؤول أمريكي إلى أن القوات الدولية ستتكفل كذلك بإدارة المعابر على خط السيطرة، بالتنسيق مع القوات الإسرائيلية المنتشرة هناك.
هذا التنسيق قد يثير تحفظات الدول المشاركة، التي تخشى اتهامها بأنها “تدعم الاحتلال” أو تعمل كقوة لحمايته، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع السياسي للفلسطينيين داخل غزة.
الانسحاب الإسرائيلي… بلا جدول زمني
تربط الخطط الأمريكية الانسحاب الإسرائيلي بتوفر “شروط الاستقرار”، لكنها لا تقدم أي مواعيد واضحة.
وعلى الرغم من أن خطة ترامب المكوّنة من 20 نقطة تشير إلى “انسحاب” مرتبط بإعادة بناء منظومة الأمن الفلسطينية، إلا أن التنفيذ يبدو مؤجلاً لأجل غير معلوم.
فالقطاع – بحسب تقديرات الأمم المتحدة – يعاني من دمار واسع تجاوز 80% من البنية التحتية الأساسية، من بينها المدارس والمستشفيات والمراكز الحكومية.
كما تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض في الشوارع، ما يجعل العودة السريعة إلى الحياة الطبيعية شبه مستحيلة.
ورغم مرور أكثر من شهر على وقف إطلاق النار، تستمر إسرائيل في تقييد دخول مواد الإغاثة، بما في ذلك معدات أساسية مثل أعمدة الخيام، التي تعتبرها “مزدوجة الاستخدام”.
في المقابل، ينتظر نحو 1.5 مليون فلسطيني الحصول على مواد إيواء طارئة، بينما يعيش مئات الآلاف في خيام بلا ماء نظيف أو خدمات أساسية.
رهان «الجاذبية» في المنطقة الخضراء
تعوّل واشنطن على أن توفر المنطقة الخضراء – في حال تحسن الوضع الأمني وبدء الإعمار – جاذبية اجتماعية واقتصادية تدفع الفلسطينيين إلى الانتقال شرقًا.
بحسب مسؤول أمريكي لم تسمه الجارديان، يمكن أن تتحول هذه المنطقة إلى “نموذج” يدفع السكان لترك المنطقة الحمراء طوعًا، دون عمليات نقل قسرية.
لكن هذا التصور يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات أفغانستان والعراق، حيث أخفقت مشاريع “جذب السكان” وتحوّلت المناطق الخضراء إلى جزر معزولة ومحاصرة.
ومع أن المقترح الأمريكي يؤكد أن الأمور ستتطور “بطريقة طبيعية” دون استخدام القوة، إلا أن السياق السياسي والإنساني لغزة بعد حرب مدمرة قد يجعل أي حركة سكانية غير طبيعية عرضة للانتقاد الدولي.
بين الطموح والتطبيق: ما الذي يمكن أن يحدث؟
خلاصة المشهد أن واشنطن تحاول صياغة رؤية مستقبلية للقطاع، لكنها تفعل ذلك داخل معادلة معقدة تضم إسرائيل، والفصائل الفلسطينية، والدول الأوروبية، والدول الإقليمية، والبيئة الإنسانية المتدهورة داخل غزة.
هذه الأطراف تتعامل مع الخطة بطرق مختلفة:
– إسرائيل تنظر إليها كوسيلة لترسيخ سيطرتها الأمنية.
– واشنطن تراها بوابة للانتقال من الحرب إلى “إدارة الأزمة”.
– أوروبا تخشى الانجرار إلى ساحة جديدة عالية المخاطر.
– العرب يرفضون المشاركة خشية التبعات الداخلية.
– الفلسطينيون يعيشون في واقع عنوانه الدمار والانتظار.
وفي ظل غياب اتفاق سياسي شامل، قد يتحول التقسيم إلى واقع ثابت، حتى لو قُدّم باعتباره “مرحلة انتقالية”.
فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في النزاعات الممتدة غالبًا ما تتجذر وتتحول إلى هياكل دائمة.



