صدق أو لا تصدق.. اختيار «6 7» كلمة العام 2025

في مشهد لغوي غير مسبوق، أعلنت منصة Dictionary.com أن “كلمة العام” لعام 2025 ليست كلمة أصلًا.
إذ اختار الموقع الشهير، الذي يُعد أحد أبرز المراجع الإلكترونية للغة الإنجليزية، تعبيرًا غامضًا مكوّنًا من رقمين «6-7».
وهو مصطلح بات مألوفًا على ألسنة المراهقين والمراهقات في مقاطع الفيديو القصيرة وعلى تطبيقات التواصل الاجتماعي، دون أن يفهم أحد حرفيًا ماذا يعني.
الاختيار، الذي بدا ساخرًا في ظاهره، يعكس في جوهره تحوّل اللغة في العصر الرقمي إلى كودٍ اجتماعي أكثر من كونها وسيلة تواصل تقليدية، وفق أسوشيتد برس.
من أغنية إلى ظاهرة
بدأت الحكاية قبل عام تقريبًا، مع أغنية الرابر الأمريكي Skrilla بعنوان Doot Doot (6-7)، التي انتشرت عبر منصة TikTok بعد أن استخدمها لاعب كرة السلة في دوري الـNBA لاميلو بول (LaMelo Ball) في مقطع قصير؛ إذ كان رقم طوله يطابق الرقم «6-7» بالقدم.
لكن ما حوّل الأمر إلى ظاهرة هو مقطع آخر يظهر فيه فتى صغير يصرخ بعبارة «6-7» بحماس، بينما يجلس بجانبه صديق يحرك يديه بطريقة مبالغ فيها تشبه حركة التلاعب بالكرة في الهواء.
انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، ليُعرف صاحبه لاحقًا بلقب «طفل الـ6-7».
ومن هنا تحولت العبارة إلى رمز ساخر يتداوله المراهقون كتعبير عن موقف أو شعور لا يمكن وصفه بالكلمات، تمامًا كما حدث في سنوات سابقة مع عبارات مثل “Yeet” أو “Skibidi”.
لا أحد يعرف المعنى الحقيقي
حين سُئل القائمون على Dictionary.com عن المعنى الدقيق لـ«6-7»، جاءت الإجابة أكثر غموضًا من الكلمة نفسها.
«لا تقلقوا، ما زلنا نحاول أن نعرف معناها بدورنا»، كما ورد في بيان الإعلان الرسمي للموقع.
بعض اللغويين يرون أن الإيماءة المصاحبة للعبارة، حركة اليدين المتكررة، تشير إلى معنى قريب من «بين بين»، أي «هكذا أو هكذا»، وهو ما جعل Dictionary.com يصفها بأنها قد تعني so-so، أي «ليس جيدًا ولا سيئًا».
أما Merriam-Webster، القاموس الأمريكي الأشهر، فوصفها بأنها «تعبير بلا معنى محدد، يُستخدم غالبًا من قِبل المراهقين والمراهقات كنوع من المزاح أو الارتباك المقصود».
من المدرسة إلى الـNFL
لم يتوقف الأمر عند الإنترنت. فخلال الأشهر الماضية، بدأت مقاطع تنتشر تُظهر مدرّسين وأولياء أمور يحاولون شرح معنى «6-7» أو منعه في الفصول الدراسية.
بعض المدارس الأمريكية أدرجته ضمن القائمة السوداء للعبارات الممنوعة داخل الصفوف، بعد أن تحوّل إلى وسيلة للسخرية من الأساتذة أو التشويش على الحصص.
في المقابل، اختار بعض الآباء «الانضمام إلى اللعبة» بدل مقاومتها، فارتدوا أزياء مستوحاة من شخصية «طفل الـ6-7» في احتفالات الهالوين الأخيرة، على أمل أن يؤدي الإفراط في التقليد إلى فقدان الظاهرة لبريقها.
لكن الغريب أن العدوى انتقلت إلى الملاعب الرياضية.
فقد استخدم بعض لاعبي كرة القدم الأمريكية عبارة «6-7» للاحتفال بعد تسجيل هدف أو تمريرة ناجحة، كأنها أصبحت إشارة جماعية مبهمة يفهمها الجميع ولا يعرف معناها أحد.
هل ما زالت «الكلمة» كلمة؟
إعلان Dictionary.com أثار نقاشًا لغويًا واسعًا حول معنى «الكلمة» نفسها في عصر الإنترنت.
هل يجوز أن تُختار رموز رقمية أو حركات جسدية باعتبارها كلمات العام؟
الإجابة، كما يبدو، ليست لغوية بقدر ما هي ثقافية.
يقول الموقع في بيانه: «كلمة العام لا تتعلق بالشكل اللغوي بقدر ما تتعلق بالقصة التي تحكيها عنّا وعن الطريقة التي تغيّرنا بها خلال العام».
وهنا، يصبح «6-7» مرآة لطبيعة التواصل المعاصر الذي يختزل المشاعر في رموز، واللغة في إيماءات، والمعنى في لحظة ضحكٍ جماعية عابرة.

«6-7» واللغة بوصفها هوية رقمية
في نظر كثير من الخبراء، فإن انتشار هذه الظاهرة لا يتعلق فقط بالمرح أو العبث، بل يعكس تغيرًا في علاقة الجيل الجديد باللغة. فالكلمة لم تعد وسيلة للإيضاح بقدر ما أصبحت وسيلة للانتماء.
في هذا السياق، يرى بعض الباحثين في علم اللغة الاجتماعي أن «6-7» تنتمي إلى ما يسمّى باللغة الفيروسية، أي تلك التي تولد داخل فضاء الإنترنت وتعيش فقط ما دامت قادرة على الانتشار والتقليد.
إنها رموز مؤقتة تشبه الميمز، لا تحمل معنى ثابتًا بقدر ما تحمل شعورًا جماعيًا بالانتماء اللحظي.
وبذلك تصبح العبارة، على غرابتها، تعبيرًا عن الهوية الرقمية لجيل Z، أكثر من كونها كلمة في المعجم.
كيف تختار Dictionary.com «كلمة العام»؟
عادةً ما تعتمد المنصة على تحليل محركات البحث والعناوين والمنشورات عبر الإنترنت لرصد الكلمات التي شكّلت النقاشات العامة.
في عام 2025، تبيّن أن البحث عن «6-7» ارتفع بنسبة ستة أضعاف منذ يونيو الماضي، مما جعلها المرشح الأبرز للفوز.
الموقع أوضح أن الهدف من الاختيار هو «توثيق اللغة كما تُستخدم فعلاً في الحياة اليومية، لا كما ينبغي أن تُستخدم».
مؤكدًا أن هذا النوع من الكلمات يكشف التحولات الاجتماعية بقدر ما يكشف التحولات اللغوية.
ربما تبدو القصة في ظاهرها طريفة، لكنها في جوهرها تكشف أزمة أعمق، اللغة التي تفقد معناها وسط زحام المحتوى السريع.
فحين يصبح اللا معنى نفسه وسيلة للتعبير، تطرح الثقافة الرقمية سؤالًا أكبر:
هل نعيش زمن ما بعد اللغة؟
بالنسبة للمراهقين، «6 7» ليست كلمة عبثية، بل لحظة انتماء إلى جماعة افتراضية تشاركهم الإيقاع نفسه والضحك ذاته.
وبالنسبة للكبار، هي علامة استفهام جديدة تضاف إلى قاموس عالمٍ يتحدث برموز ويمزح بأكواد.
قد لا يعرف أحد ماذا يعني «6 7»، لكن المؤكد أنها تعني شيئًا بالنسبة لمن يستخدمونها.
ربما هذا هو جوهر اللغة نفسه، أن تكون وسيلة للتواصل حتى عندما لا نقول شيئًا محددًا.



