هل تدفع ضغوط ترامب إيران نحو طاولة المفاوضات؟ أم حافة الهاوية؟

لم تكن الأيام القليلة الماضية مجرد جولة جديدة من التصعيد المعتاد في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى مشهد يحبس الأنفاس يراقب فيه العالم بأسره أساطيل عسكرية تتحرك، وتصريحات نارية تتقاطع مع غرف دبلوماسية مغلقة.
في الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتجه نحو جنيف بحثًا عن حل دبلوماسي، تسارعت وتيرة الانزلاق نحو صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وإيران، وسط حشد عسكري أمريكي غير مسبوق في المنطقة التهم المساحة المتبقية للغة الحوار.
هذا التصعيد لم يعد شأنًا محصورًا بين واشنطن وطهران، بل امتدت موجاته الارتدادية لتضرب الأسواق الإقليمية وتثير الذعر في العواصم المجاورة، وتضع دولًا مثل مصر أمام تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة تتطلب قراءة متأنية لما وراء العناوين.
لا يتوقف الأمر عند مجرد استعراض للقوة، بل هو اختبار إرادات يعيد صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، حيث تحاول الإدارة الأمريكية فرض استسلام كامل، بينما تناور طهران للبقاء دون تقديم تنازلات جوهرية.
استراتيجية حافة الهاوية.. العصا الغليظة في مواجهة الصبر الاستراتيجي
اعتمدت الإدارة الأمريكية الحالية سياسة تصعيد عسكري مكثف، حيث أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحشد ضخم للقوات في الشرق الأوسط، مع وضع خطط واستعدادات لشن هجوم جوي محتمل قد يستمر لأسابيع ضد أهداف إيرانية.
من جانبه، صرح مبعوث ترامب الخاص، ستيف ويتكوف، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، بأن الرئيس الأمريكي يشعر بالفضول الشديد حيال عدم استسلام إيران حتى الآن، رافضًا استخدام مصطلح “الإحباط”، ومؤكدًا أن لدى واشنطن بدائل متعددة.
لفت ويتكوف إلى أن الإدارة الأمريكية تستغرب عدم قدوم الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات لتقديم تنازلات واضحة تتعلق ببرنامجهم النووي، وذلك على الرغم من حجم الضغط البحري والعسكري الهائل الذي تم نشره في المنطقة.
هذا التوجه يعكس قناعة أمريكية بأن ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والنفسي ستجبر صانع القرار الإيراني على الانحناء، وهي استراتيجية تعتمد على دفع الخصم إلى حافة الهاوية لانتزاع أفضل صفقة ممكنة قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
استدرك البيت الأبيض موقفه بالتلويح بورقة الدبلوماسية الموازية، في محاولة لترك باب خلفي مفتوح لطهران إذا ما قررت التراجع في اللحظات الأخيرة وتجنب دمار شامل قد يطال بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية.
طهران بين مطرقة العقوبات وسندان الغضب الداخلي
على الجانب الآخر من الخليج، لا تبدو الصورة أقل تعقيدًا، حيث تجد القيادة الإيرانية نفسها محاصرة بين تهديدات خارجية غير مسبوقة، وأزمات اقتصادية واجتماعية داخلية تتفاقم يومًا بعد يوم.
أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في تصريحات حاسمة، أن بلاده لن ترضخ للضغوط الأمريكية المستمرة، مشددًا على أن لغة التهديد العسكري لن تجدي نفعًا في مسار المحادثات النووية.
في السياق ذاته، كشف مسؤول إيراني كبير في تصريحات لوكالة رويترز أن الرؤى بين واشنطن وطهران لا تزال متباعدة بشدة فيما يخص تخفيف العقوبات، وهو الملف الذي يعتبره الإيرانيون حجر الزاوية لأي اتفاق محتمل.
أوضح المسؤول الإيراني أن الجولة الأخيرة من المحادثات أظهرت اختلافًا جذريًا حول نطاق وآلية رفع العقوبات، مشيرًا إلى أن الطرفين يحتاجان إلى التوصل إلى جدول زمني منطقي، مع التخطيط لجولة محادثات جديدة في أوائل شهر مارس المقبل.
وبالتزامن مع هذا التعنت الدبلوماسي، تشهد الجبهة الداخلية الإيرانية غليانًا ملحوظًا، حيث اندلعت احتجاجات طلابية لليوم الثاني على التوالي في بعض الجامعات، تعبيرًا عن رفض مسار الحرب والخوف من تداعياتها المدمرة على مستقبل البلاد.
أضاف تقرير وكالة رويترز أن هناك حالة من الرعب تسيطر على المواطنين الإيرانيين العاديين، مع انهيار قيمة العملة المحلية وتزايد المخاوف من التعرض لضربات جوية أمريكية أو إسرائيلية قد تدمر مقدرات الدولة وتدخلها في نفق مظلم.
التداعيات الإقليمية.. الأسواق تدفع ثمن القلق
لم تقف تداعيات هذا الشد والجذب عند الحدود الإيرانية الأمريكية، بل ضربت موجة من الذعر أسواق المال والبورصات في منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر الاستقرار الأمني شرطًا أساسيًا لتدفق الاستثمارات.
من جهة أخرى، سجلت الأسهم الخليجية تراجعات حادة وفقدت مليارات الدولارات من قيمتها السوقية، استجابةً مباشرة لتصاعد التوترات والمخاوف من إغلاق الممرات الملاحية الاستراتيجية في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية.
أشار خبراء الاقتصاد إلى أن رؤوس الأموال بطبيعتها جبانة، وما يحدث الآن من استعراض للقوة العسكرية يدفع المستثمرين الأجانب إلى تسييل محافظهم المالية والهروب نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والسندات الأمريكية، بعيدًا عن أسواق الشرق الأوسط.
مصر في قلب العاصفة.. كيف تتأثر القاهرة باهتزاز الخليج؟
في سياق آخر، لم تكن مصر بمنأى عن هذه العاصفة الجيوسياسية والاقتصادية، إذ يلقي أي تصعيد عسكري في الخليج بظلاله المباشرة والمكلفة على الاقتصاد المصري الذي يمر بمرحلة دقيقة من محاولات التعافي والنمو.
امتدت الخسائر التي ضربت أسواق الخليج لتشمل البورصة المصرية، التي واصلت تراجعها وتكبدت خسائر ملحوظة متأثرة بحالة العزوف عن المخاطرة التي سيطرت على المستثمرين الأجانب والعرب، والذين سارعوا إلى سحب استثماراتهم من الأسواق الناشئة بالمنطقة.
التأثير على مصر يتجاوز شاشات التداول في البورصة، ليمس أعصابًا استراتيجية حساسة، وعلى رأسها حركة الملاحة في قناة السويس، التي تعاني بالفعل من توترات البحر الأحمر، وقد تتلقى ضربة قاصمة إذا ما اندلعت حرب إقليمية تعطل إمدادات النفط والتجارة بين آسيا وأوروبا.
إلى جانب ذلك، يعتمد الاقتصاد المصري بشكل كبير على تحويلات العاملين في الخارج، وخاصة في دول الخليج العربي، وأي اهتزاز في الاستقرار الأمني أو الاقتصادي لتلك الدول قد ينعكس سلبًا على استقرار العمالة المصرية هناك، وبالتالي تراجع أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر.
كما أن ارتفاع أسعار النفط العالمية، وهو نتيجة حتمية لأي تصعيد عسكري مع إيران، يشكل ضغطًا هائلًا على الموازنة العامة للدولة المصرية التي تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها البترولية، مما يهدد بزيادة معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية على المواطن.
الساعات الحاسمة.. هل تنجح الدبلوماسية في اللحظة الأخيرة؟
أمام هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك نافذة ضيقة للحل الدبلوماسي قد تنقذ المنطقة من حرب مدمرة، وهي نافذة تعتمد بالأساس على قدرة الطرفين على إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه ويحقق المصالح الدنيا لكليهما.
كشف تقرير نشره موقع “أكسيوس” الإخباري أن المفاوضين الأمريكيين مستعدون لعقد جولة حاسمة من المحادثات مع نظرائهم الإيرانيين في جنيف يوم الجمعة المقبل، ولكن بشروط أمريكية صارمة ومحددة زمنيًا.
أوضح التقرير أن عقد هذه المحادثات مرهون بتلقي واشنطن مقترحًا إيرانيًا مفصلًا وواضحًا بشأن القيود على البرنامج النووي خلال الساعات الثماني والأربعين القادمة، وهو ما يضع طهران أمام اختبار حقيقي لمدى جديتها في تجنب الحرب.
هذه المهلة القصيرة تعكس رغبة واشنطن في حسم الأمور سريعًا، وعدم إعطاء طهران فرصة لشراء الوقت كما حدث في جولات سابقة، فإما تقديم تنازلات حقيقية مكتوبة، أو تحمل تبعات الحشد العسكري الرابض على أبواب الخليج.



