نهاية حقبة أم بداية فوضى شاملة؟ كواليس العدوان على إيران

قد تكون استيقظت صباح السبت على سيل من الأخبار العاجلة المعتادة عن تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، وربما اعتقدت للوهلة الأولى أنها مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات الروتينية بين واشنطن وطهران.
لكن الواقع أنك لم تفكر في هذا الحدث بوصفه الزلزال الذي يمزق الخرائط القديمة وتوازنات الردع.
في فجر السبت، الثامن والعشرين من فبراير 2026، انطلقت أضخم عملية عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في العصر الحديث ضد الأراضي الإيرانية.
لم تكن الصواريخ تستهدف قواعد رادار منعزلة، بل استهدفت قلب النظام الإيراني بشخص مرشده الأعلى علي خامنئي، في خطوة غير مسبوقة قلبت موازين القوى، ووضعت المنطقة بأسرها على شفا انهيار شامل للنظام المدني والجيوسياسي.
هذه ليست مجرد ضربة جراحية لردع النفوذ الإيراني، بل هي محاولة صريحة لإنهاء حقبة دامت لعقود، وبداية لفصل دموي غامض الملامح.
الغضب الملحي
في وضح النهار، وبجرأة تكتيكية لم تعهدها العمليات العسكرية السابقة في المنطقة، اخترقت مئات الطائرات الإسرائيلية والأمريكية، مدعومة بصواريخ “توماهوك” وطائرات مسيرة متطورة، الأجواء الإيرانية لتدك مئات الأهداف الاستراتيجية.
العملية التي أطلقت عليها وزارة الدفاع الأمريكية اسم “الغضب الملحمي”، بينما فضلت إسرائيل تسميتها “زئير الأسد”، كشفت عن تخطيط استخباراتي طويل الأمد يهدف إلى شل قدرات النظام الإيراني بالكامل وتفكيك هيكله القيادي دفعة واحدة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى سدة الحكم بوعود صارمة لتقليص الانخراط العسكري الخارجي، كشف في إعلان متلفز عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني.
ولم يتوقف حجم الخسائر عند هذا الحد، فقد أكد جيش الاحتلال الإسرائيلي تصفية العشرات من كبار القادة العسكريين والسياسيين في الساعات الأولى من الهجوم.
القائمة التي تأكدت وشملت أسماء ثقيلة، لفت المراقبون إلى أن غيابها يخلق فراغاً هيكلياً قد لا يمكن تعويضه بسهولة، وشملت شخصيات بحجم اللواء محمد باكبور قائد القوات البرية للحرس الثوري، والأدميرال علي شمخاني مستشار القائد الأعلى، ورئيس أركان القوات المسلحة اللواء عبد الرحيم موسوي، وحتى وزير الدفاع نصير زاده.
هنا، أوضح مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة الأمريكية، في تصريحات أوردتها تفصيلياً صحيفة واشنطن بوست، أن هذه الضربة الضخمة جاءت كإجراء استباقي وضروري بعد رصد ما وصفوه بـ”مؤشرات دقيقة” على استعداد طهران لشن هجمات وشيكة بالصواريخ والأسلحة التقليدية ضد أهداف ومصالح أمريكية في الخارج.
واستدرك بعض المشرعين في واشنطن، مثل السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، مشيرين إلى أن الإدارة لم تقدم حتى اللحظة تفسيراً مقنعاً أو دليلاً قاطعاً يبرر للجمهور الأمريكي هذا التحرك العسكري الشامل الذي أسفر عن الإطاحة بزعيم دولة ذات سيادة، في سابقة خطيرة هي الثانية من نوعها لإدارة ترامب بعد تدخلها السافر الذي أدى إلى الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
على المستوى التكتيكي، استخدمت القوات الأمريكية لأول مرة طائراتها المسيرة الهجومية منخفضة التكلفة المعروفة باسم (LUCAS)، والمصممة خصيصاً لمحاكاة قدرات طائرات “شاهد” الإيرانية.
في الوقت ذاته، أشار تقرير عسكري إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي دفع بأكثر من 200 طائرة مقاتلة، مستهدفاً أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية في غرب البلاد لضمان التفوق الجوي المطلق.
ورغم التكنولوجيا الدقيقة، لم تخلُ العملية من كلفة بشرية باهظة؛ إذ صرح مسؤولون محليون إيرانيون بوقوع مأساة إنسانية في مدينة ميناب الجنوبية، حيث أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل وإصابة العشرات في مدرسة للبنات، وهو الحادث الذي قيدت القيادة المركزية الأمريكية والجيش الإسرائيلي أسباب وقوعه قيد المراجعة الفورية وسط غضب شعبي عارم.
غريزة المقاومة
في المقابل، ورغم الخسارة الفادحة والصدمة التي ضربت قمة الهرم القيادي، لم ترفع طهران الراية البيضاء كما توقع بعض المحللين في الغرب.
على عكس التكهنات بانهيار سريع لآلة الحرب الإيرانية، أشار خبراء استراتيجيون إلى أن غريزة المقاومة المتجذرة بعمق في الأيديولوجيا الشيعية وعقيدة الحرس الثوري دفعت البلاد نحو رد فعل عنيف وسريع وغير محسوب العواقب.
لم تتباطأ آلة الرد الإيرانية المتبقية، بل عمدت إلى تجاوز كافة الخطوط الحمراء التاريخية التي كانت، حتى الأمس القريب، تجنب دول الخليج الانخراط المباشر والمكلف في النزاع الإسرائيلي الإيراني.
أضافت التقارير الواردة أن الموجات المتعاقبة من الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيرة لم تكتفِ باستهداف العمق الإسرائيلي، بل طالت منشآت حيوية وفنادق فخمة في دبي والبحرين، بالإضافة إلى منشأة بحرية استراتيجية في سلطنة عمان.
كما شملت الضربات الانتقامية قاعدة جوية حيوية في أربيل بالعراق حيث تتمركز قوات أمريكية.
هذا التوسع الجغرافي السريع للصراع، الذي وثقته صحيفة الغارديان في تحليلها البصري الشامل للضربات، خلق حالة من الشلل الإقليمي التام؛ حيث أُغلقت المجالات الجوية فوق مساحات شاسعة، وتقطعت السبل بعشرات الآلاف من المسافرين في مطارات الخليج الكبرى التي تعد شرايين رئيسية لحركة الطيران العالمي.
السؤال المركزي الذي يطرح نفسه بقوة الآن، لماذا قررت إيران استهداف دول الخليج التي طالما سعت دبلوماسياً لخفض التصعيد والنأي بنفسها عن هذه المواجهة المباشرة؟
التفسير التحليلي الأعمق يكمن في استراتيجية “الردع الشامل” التي تتبناها طهران في لحظات اليأس.
لقد لفت المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيراني في بيان شديد اللهجة إلى أن الدول الإقليمية التي بذلت جهوداً مضنية لإقناع الرئيس ترامب بانتهاج مسار الدبلوماسية، يجب أن تدرك اليوم وبشكل قاطع أنه لا يمكن الوثوق بأي وعود تصدر عن واشنطن.
إنها رسالة إيرانية واضحة ومميتة مفادها أن الجميع في المنطقة سيدفع الثمن باهظاً إذا سقط النظام، وأن أمن القواعد الأمريكية وحلفائها لا يمكن فصله عن أمن الخليج بأسره.
مستقبل النظام الإيراني
ولفهم المآلات الحقيقية لهذا الصراع، يجب الغوص في تعقيدات الداخل الإيراني، حيث يعيش الشارع حالة من الانقسام الحاد والتمزق المجتمعي غير المسبوق.
استناداً إلى تقرير تحليلي معمق نشرته صحيفة الغارديان حول مستقبل النظام الإيراني، يمكننا رؤية نسختين متناقضتين تماماً من إيران اليوم.
في جنح الليل، تغص شوارع بعض الأحياء بشباب يرقصون ويحتفلون سراً وعلانية بمقتل خامنئي، آملين أن تكون هذه الضربة القاضية بداية لنهاية حكم رجال الدين القمعي وعودة البلاد إلى الانفتاح على العالم.
ولكن في وضح النهار، تتبدل الصورة جذرياً؛ إذ تكتظ الميادين الكبرى في طهران وأصفهان ومدن أخرى بملايين المشيعين الغاضبين الذين يلطمون الصدور ويطالبون بثأر لا هوادة فيه لدم مرشدهم وزعمائهم.
ومع ذلك، فإن غياب قائد بحجم خامنئي يطرح معضلة خلافة مؤسسية شديدة التعقيد.
طوال العقود الماضية، كانت مؤسسات النظام، وتحديداً مجلس خبراء القيادة المكون من 88 عضواً، تستعد نظرياً لهذه اللحظة الحتمية، لكنها لم تكن تتخيل قط أن تأتي وسط حرب شاملة ومفتوحة تدمر بنيتها التحتية.
التوجه الأرجح اليوم داخل أروقة الحكم المتبقية هو التخندق والتشدد الأقصى.
صرحت مصادر مطلعة للغارديان بأن الاختيار القادم سيقع بنسبة كبيرة على شخصية عسكرية أو دينية ذات ميول استبدادية صارمة، مدعومة بشكل كلي من الحرس الثوري، بهدف توجيه رسالة رادعة ودموية لأي محاولة تمرد أو عصيان مدني في الداخل الإيراني.
لكن، هل يمكن لهيكل النظام المتصدع أن يصمد أمام هذا الاستنزاف العسكري الخارجي والضغط السياسي الداخلي؟
رغم التماسك الظاهري الذي تبديه الأجهزة الأمنية حتى الآن، فإن الاستمرار في حرب لا تعرف حدوداً، تترافق مع احتمالات جدية لإغلاق مضيق هرمز وتوقف صادرات النفط، قد يؤدي إلى نتيجة كارثية تتجاوز تغيير الوجوه السياسية؛ انهيار النظام المدني والاجتماعي بالكامل في إيران.
ومن المفارقات العميقة أن المعارضة الإصلاحية الإيرانية في الداخل، ورغم عدائها المرير للنظام الحالي، تنظر بعين الريبة والغضب للتدخل الخارجي.
وقد حذرت مجموعة إصلاحية بارزة بوضوح من أن “القنابل والصواريخ الأجنبية ليست رسل ديمقراطية بل بذور دمار وخراب وتبعية”.
هذا الموقف الشعبي والسياسي المعقد يوضح بجلاء أن التدخل الخارجي السافر قد لا يأتي بالديمقراطية المأمولة التي يروج لها البعض، بل قد يحول إيران المترامية الأطراف إلى دولة فاشلة ومرتع لأمراء الحرب، ما يضاعف من المخاطر الأمنية ويخلق ثقباً أسود في قلب الشرق الأوسط.
شعبية ترامب
بالانتقال إلى الضفة الأخرى من المحيط، في العاصمة الأمريكية واشنطن، تبدو الصورة لا تقل ضبابية وتعقيداً، لكن من زاوية السياسة الداخلية وحسابات الانتخابات.
لقد بنى دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس حملتهما السياسية ونجاحهما الانتخابي على وعود قاطعة بالانسحاب من مستنقعات الشرق الأوسط وعدم الانخراط في حروب جديدة لتغيير الأنظمة، رافعين شعار “أمريكا أولاً”.
فكيف يمكن اليوم تبرير شن حرب شاملة تستهدف تغيير النظام في طهران لقاعدة انتخابية يمينية ترفض بشدة إهدار الثروات والأرواح في تدخلات عسكرية خارجية؟
وفقاً لتحليل موسع قدمته صحيفة الغارديان حول تداعيات الضربة على القاعدة الشعبية لترامب، يشعر قطاع واسع وعالي الصوت من حركة “MAGA” (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً) بخيانة عميقة لوعود الحملة الانتخابية.
أكد بليك نيف، وهو منتج بودكاست شهير ومؤثر في الأوساط اليمينية المحافظة، أن ترامب ركب موجة السلام في حملته واستفاد منها شعبياً، وأن التورط في حرب مع طهران دفع بعض المؤيدين للتلويح بمقاطعة أي انتخابات وطنية مقبلة.
كما شاركت المعلقة السياسية اليمينية ميلي ويفر، استياء قطاع عريض من الناخبين قائلة بصراحة “لا أتذكر أنني صوّتُ من أجل ‘تحرير إيران’. لقد صوّتُ لجعل أمريكا عظيمة مجدداً”.
بل إن بعض الأصوات المتطرفة في دعمها السابق لترامب وصلت حد السخرية منه، واصفة إياه بأنه أسوأ من جيمي كارتر بسبب هذا التورط المفاجئ.
الرهان الذي يخوضه ترامب اليوم محفوف بمخاطر وجودية لمستقبله السياسي.
الإدارة الأمريكية تقامر بأمل تحقيق نصر سريع وحاسم، نصرٌ يطيح بالنظام الإيراني دون تكبد خسائر أمريكية كبيرة، مما قد ينسي الناخبين قلقهم المبدئي وغضبهم المؤقت.
التاريخ السياسي يخبرنا بالفعل أن الانتصارات العسكرية الخاطفة غالباً ما تُسكت المنتقدين وترفع من شعبية القادة.
لكن، إذا تحولت هذه الضربة الافتتاحية إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة ومكلفة مالياً وبشرياً، وإذا بدأت النعوش في العودة إلى القواعد الأمريكية، فإن ترامب سيواجه أزمة ثقة عاصفة وانقساماً حاداً قد يطيح بشرعيته السياسية بين أكثر مؤيديه ولاءً وتشدداً.
اليوم لسنا أمام مجرد عملية عسكرية تكتيكية لتقليم أظافر خصم إقليمي مزعج، بل نحن شهود أحياء على زلزال جيوسياسي عميق ستستمر ارتداداته في إعادة تشكيل المنطقة لسنوات، إن لم يكن لعقود قادمة.
إن اغتيال شخصية بوزن علي خامنئي وتدمير البنية التحتية العسكرية للجمهورية الإسلامية قد يسجلان في المدى القصير كانتصار عسكري وعملياتي مبهر للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكن التكلفة الاستراتيجية والإنسانية لهذه الضربة لا تزال قيد التشكل في رحم الغيب.



