تريند

مونديال تحت النار.. كيف يهدد سقوط «إل مينشو» استقرار المكسيك قبل كأس العالم؟

لم تكن طلقات الرصاص التي مزقت سكون غابات “تابالبا” في ولاية خاليسكو المكسيكية مجرد إعلان عن نهاية واحد من أخطر المطلوبين في العالم، بل كانت إيذانًا ببدء فصل جديد، وربما أكثر دموية، في تاريخ حرب العصابات.

قد تكون الأخبار العاجلة قد نقلت إليك نبأ مقتل نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس، المعروف بـ”إل مينشو”، زعيم كارتل خاليسكو الجيل الجديد (CJNG)، لكن ما لم تخبرك به تلك العناوين السريعة هو أن إسقاط رأس الأفعى لا يعني بالضرورة موتها؛ بل قد يؤدي إلى انقسامها لعدة رؤوس أكثر شراسة وعشوائية.

في هذا السياق السياسي والأمني شديد التعقيد، تجد الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم نفسها أمام اختبار تاريخي يتقاطع فيه الأمن القومي الداخلي مع الضغوط الأمريكية المتزايدة، ووعود الاستقرار والجاهزية لزوار كأس العالم 2026.

هذه القراءة ليست مجرد سرد لأحداث ليلة دامية، بل هي تفكيك لشبكة المصالح والتحديات التي ستحدد مستقبل المكسيك في حقبة ما بعد “إل مينشو”.

من هو «إل مينشو»؟ مسيرة الدماء والصعود السريع

نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس لم يكن مجرد تاجر مخدرات تقليدي، بل كان استراتيجيًا دمويًا حوّل كارتل خاليسكو الجيل الجديد من فصيل منشق صغير ومغمور إلى إمبراطورية إجرامية عابرة للقارات.

بدأ مسيرته كشرطي سابق، مما منحه فهمًا عميقًا لتكتيكات الأمن ونقاط الضعف المؤسسية، وهو ما استغله لاحقًا في بناء جيش خاص مزود بأسلحة عسكرية متطورة، طائرات مسيرة مفخخة، ومركبات مدرعة محلية الصنع.

أوضح العديد من الخبراء الأمنيين أن صعود الكارتل السريع في العقد الأخير اعتمد على مزيج من العنف المفرط الذي لا يرحم، والاستغلال الذكي للفراغ الأمني الذي خلفته حرب الحكومة السابقة على قيادات كارتل سينالوا.

وتحت قيادته الحازمة، احتكر الكارتل مسارات تهريب العقاقير الاصطناعية، ولا سيما الفنتانيل والميثامفيتامين، إلى الأسواق الأمريكية، مما جعله الهدف الأول بلا منازع لوكالة مكافحة المخدرات الأمريكية التي رصدت مكافآت بملايين الدولارات لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى الإيقاع به.

هذا التاريخ الدموي المتشعب يجعل من سقوطه اليوم حدثًا مزلزلًا، يغير خريطة القوة في العالم السفلي بشكل جذري، ويطرح تساؤلات حتمية حول هوية من سيجرؤ على ملء هذا الفراغ المظلم.

تفاصيل ليلة دامية في غابات تابالبا

في عملية عسكرية غير مسبوقة من حيث التخطيط والسرية، كشفت السلطات المكسيكية عن تفاصيل الساعات الحاسمة التي أدت إلى سقوط الزعيم الأبرز.

لم يكن الوصول إلى معقله الجبلي المحصن نزهة عسكرية، بل كان ثمنه باهظًا ومؤلمًا للدولة.

حيث أكدت تقارير وكالة رويترز أن ما لا يقل عن 25 جنديًا من عناصر الحرس الوطني المكسيكي لقوا حتفهم خلال الاشتباكات العنيفة والمباشرة مع حراس النخبة التابعين لزعيم الكارتل.

أوضح المسؤولون في إفاداتهم أن “إل مينشو” ومجموعة من كبار مسلحيه حاولوا الفرار والتخفي في منطقة غابات وعرة تحت غطاء النيران الكثيفة، غير أن رصاص القوات الفيدرالية طال الزعيم المطلوب، ليصاب بجروح قاتلة أوقفت مسيرته.

وعلى الرغم من محاولات إجلائه ونقله جوًا تحت حراسة مشددة إلى العاصمة مكسيكو سيتي لتلقي العلاج الطبي وتقديمه للمحاكمة، إلا أنه فارق الحياة متأثرًا بجراحه قبل وصوله.

لفت هذا الحدث الانتباه بقوة إلى حجم التضحيات الكبرى التي تقدمها القوات المسلحة المكسيكية في حربها المفتوحة، وهو ما دفع الرئيسة شينباوم إلى الإعلان عن دراسة إقامة تكريم رسمي رفيع المستوى وتنكيس الأعلام الوطنية حدادًا على أرواح الجنود الذين سقطوا في هذه المواجهة المصيرية التي ستكتب في تاريخ البلاد.

سلاح الشائعات.. كيف أدار الكارتل حربًا نفسية؟

بمجرد انتشار خبر سقوط الزعيم التاريخي، لم يقف كارتل خاليسكو الجيل الجديد مكتوف الأيدي ليتلقى الهزيمة، بل سارع إلى استعراض عضلاته الانتقامية في الشوارع.

اندلعت موجة واسعة من العنف الممنهج، شملت إحراق السيارات التجارية، والاعتداء على الحافلات، وإغلاق الطرق الرئيسية في ولايات عدة، امتدت كالنار في الهشيم من خاليسكو لتشمل ميتشواكان، وناياريت، وجواناخواتو.

لكن الأخطر من الرصاص والنيران المشتعلة كان السلاح البديل المبتكر الذي لجأت إليه العصابات في العصر الرقمي؛ فقد أشار تحليل معمق نشرته رويترز إلى أن الكارتل استخدم الأخبار المزيفة وحملات التضليل الممنهجة بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي لبث الرعب والشلل في نفوس المواطنين.

من خلال نشر شائعات صوتية ومقاطع مفبركة عن هجمات وشيكة على المدارس والمراكز التجارية وتضخيم حجم الفوضى، تمكنت العصابات من شل حركة مدن كبرى بأكملها، مما أدى إلى حالة من الذعر العام وإلغاء أكثر من 300 رحلة جوية كانت متجهة إلى مطارات حيوية مثل غوادالاخارا وبويرتو فالارتا.

علاوة على ذلك، أضافت مصادر أمنية خبيرة أن هذه الاستراتيجية النفسية الدقيقة تهدف بالأساس إلى إضعاف ثقة الشارع المكسيكي في قدرة الحكومة على توفير الحماية، والسعي الحثيث لتحويل نصر الدولة العسكري في الغابات إلى أزمة سياسية وشعبية طاحنة في المدن.

مقامرة سياسية على طاولة شينباوم

في قصر الرئاسة الوطني، تدرك كلوديا شينباوم جيدًا أن هذه العملية المعقدة ليست مجرد إنجاز أمني يضاف إلى سجل إدارتها، بل هي في جوهرها مقامرة محفوفة بالمخاطر، كما وصفتها الأوساط السياسية والمراقبون الدوليون.

تاريخيًا، أثبتت التجارب المريرة في المكسيك، كما حدث تمامًا في أعقاب اعتقال وتسليم الزعيم الشهير “إل تشابو” غوزمان، أن القضاء على زعيم كارتل كبير أو اعتقاله لا ينهي دورة العنف، بل يخلق فراغًا مدمرًا في هرم السلطة الإجرامية.

هذا الفراغ يؤدي حتمًا إلى حروب دموية شرسة على الخلافة بين أجنحة الكارتل، وانشقاقات داخلية تنتج فصائل أصغر لكنها أكثر عنفًا وعشوائية في استهدافها للمدنيين.

غير أن شينباوم، مدعومة برؤية استراتيجية جديدة ينفذها وزير أمنها عمر غارسيا هارفوش، اختارت التخلي عن سياسات الاحتواء السابقة والمبادرة بالمواجهة المباشرة والصارمة.

صرحت الرئيسة المكسيكية بوضوح في إحاطاتها الصحفية بأن الدولة لن تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، وأن الاستراتيجية الأمنية الحالية ستستمر بصرامة في فرض سيادة القانون وتفكيك هياكل الجريمة المنظمة.

واستدركت شينباوم في الوقت ذاته مؤكدة أن الأوضاع في الشوارع بدأت تعود تدريجيًا إلى طبيعتها، وأن الطرقات الحيوية باتت آمنة وتحت سيطرة القوات الفيدرالية، في محاولة سياسية واضحة لامتصاص صدمة الشارع وتأكيد الحضور القوي والفاعل للدولة في مواجهة محاولات استعراض القوة التي مارسها الكارتل لترويع المواطنين.

صورة متداولة لـ إل مينشو على إكس
صورة متداولة لـ إل مينشو على إكس

ظل ترامب.. التعاون الاستخباراتي غير المسبوق

لا يمكن لأي محلل موضوعي قراءة هذا الحدث الضخم بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، وتحديدًا العلاقة الثنائية بالغة التعقيد مع الجارة الشمالية القوية، الولايات المتحدة.

لقد كان لزامًا على المكسيك في هذه المرحلة الحرجة أن تقدم إنجازًا ملموسًا وحاسمًا في حربها المستمرة على المخدرات، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية في أروقة العاصمة واشنطن.

بناء على ذلك، كشفت تقارير صحيفة الجارديان البريطانية أن العملية العسكرية الكبرى التي أطاحت بـ”إل مينشو” جاءت ثمرة تعاون استخباراتي غير مسبوق وعالي المستوى، حيث قدمت الأجهزة الأمنية الأمريكية معلومات دقيقة وحاسمة قادت القوات المكسيكية إلى تحديد المخبأ السري للزعيم.

وفي ظل عودة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي طالما تبنى خطابًا شديد القسوة تجاه الكارتلات المكسيكية بل ولوح علنًا في مناسبات عدة بتصنيفها كمنظمات إرهابية أو التدخل العسكري المباشر، تبدو هذه العملية وكأنها رسالة سياسية مزدوجة التوجيه.

من ناحية أولى، هي تأكيد عملي وقاطع لترامب على جدية حكومة شينباوم والتزامها الصارم بمكافحة تدفق الفنتانيل القاتل عبر الحدود المشتركة.

ومن ناحية أخرى، هي استعادة هامة للسيادة المكسيكية وإثبات لقدرتها المستقلة على تنفيذ العمليات الأمنية الكبرى وتصفية أخطر المطلوبين على أراضيها.

وقد توالت الإشادات الدبلوماسية الأمريكية بهذا الإنجاز البارز، مما قد يؤسس فعليًا لمرحلة جديدة ومختلفة من التحالف الأمني الوثيق بين البلدين، متجاوزًا التوترات الدبلوماسية التاريخية.

تركة ثقيلة.. أزمة المفقودين والتحدي الإنساني

لفهم الأبعاد الكاملة لحجم الإنجاز وطبيعة التحدي الذي يواجه البلاد، يجب تسليط الضوء على التركة الثقيلة والمرعبة التي خلفها “إل مينشو” وكارتل خاليسكو الجيل الجديد وراءهم.

لم يقتصر إجرام هذا التنظيم العابر للحدود على تهريب المخدرات وغسيل الأموال، بل امتد بشكل منهجي ليشمل السيطرة الإقليمية المطلقة، الابتزاز الاقتصادي المباشر، وجرائم الخطف المرعبة.

وفي هذا الصدد، سلطت الجارديان الضوء في تقرير منفصل مؤخرًا على الارتفاع المقلق والمأساوي في حالات الاختفاء القسري في عموم المكسيك، وهي مأساة إنسانية وطنية يعتبر كارتل خاليسكو أحد أبرز وأخطر مهندسيها.

استخدم الكارتل سياسة الاختفاء القسري كسلاح فعال لترهيب الخصوم المنافسين، إسكات الصحفيين الاستقصائيين، والسيطرة التامة على المجتمعات المحلية عبر نشر ثقافة الرعب والصمت.

بالتالي، فإن القضاء المادي على رأس هذا النظام الإجرامي يمثل خطوة أمنية ضرورية بلا شك، ولكنه يضع الحكومة الحالية أمام التزام أخلاقي وقانوني وتاريخي طويل الأمد للبحث الجاد عن عشرات الآلاف من المفقودين، وتفكيك البنية التحتية الفاسدة التي سمحت بحدوث ونمو هذه الجرائم على مدى سنوات طويلة من الإفلات من العقاب.

مونديال 2026 في عين العاصفة.. الأمن فوق كل اعتبار

على الصعيد الاقتصادي والدولي، لم يكن توقيت هذه الأزمة الأمنية ليصبح أكثر حساسية أو دقة.

فالمكسيك تقف الآن على أعتاب استضافة الحدث الرياضي والترويجي الأكبر عالميًا، كأس العالم لكرة القدم 2026، في تنظيم مشترك مع كل من الولايات المتحدة وكندا.

ومن المقرر رياضيًا أن تستضيف العاصمة مكسيكو سيتي المباراة الافتتاحية الكبرى للبطولة في 11 يونيو المقبل، بينما تلعب مدن مكسيكية كبرى أخرى مثل غوادالاخارا ومونتيري أدوارًا رئيسية وهامة في استضافة عدد من المباريات واستقبال مئات الآلاف من المشجعين.

وباعتبار غوادالاخارا هي عاصمة ولاية خاليسكو، التي تعد المعقل الرئيسي والتاريخي للكارتل المذكور، فقد أثارت مشاهد السيارات المحترقة والاشتباكات المسلحة التي أعقبت العملية مخاوف دولية عميقة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والمجتمع الرياضي العالمي.

هنا، أكدت الرئيسة شينباوم في تصريحات حاسمة وصريحة للجارديان أنه لا يوجد أي خطر على الإطلاق يهدد سلامة وحياة زوار المونديال المرتقب، مشددة بحزم على أن الدولة المكسيكية توفر “كافة الضمانات” الأمنية المطلوبة لإنجاح الحدث.

وتسعى الحكومة المركزية من خلال هذا التصريح القوي والواضح إلى حماية الاستثمارات السياحية والاقتصادية الهائلة، والدفاع عن السمعة الدولية للبلاد، وإرسال رسالة طمأنة عالمية بأن الأجهزة الأمنية الحديثة قادرة تمامًا على عزل الأحداث الإجرامية المعزولة عن مسار الحياة الطبيعية والفعاليات العالمية الكبرى.

ما بعد السقوط.. هل اقتربت النهاية أم بدأ الأسوأ؟

في النهاية، يمكن القول بثقة إن مقتل “إل مينشو” يمثل بلا شك نقطة تحول فارقة في تاريخ العنف المعاصر في المكسيك.

لقد أثبتت حكومة كلوديا شينباوم الشابة عمليًا قدرتها على توجيه ضربة قاصمة وموجعة لأحد أعتى وأشرس التنظيمات الإجرامية في العالم، مستفيدة بذكاء من التنسيق الاستخباراتي العالي وروح التضحية الكبيرة لدى قواتها المسلحة.

ومع ذلك، فإن الكاتب والمحلل الموضوعي العارف ببواطن الأمور لا يمكنه أن يتجاهل دروس التاريخ المكسيكي القريب والدموي، والتي تؤكد بشكل متكرر أن إسقاط القيادات المركزية المؤثرة غالبًا ما يكون شرارة البداية لحروب استنزاف داخلية طاحنة بين الفصائل المتناحرة الطامعة في وراثة إمبراطورية المخدرات والأموال.

شينباوم اليوم لا تحتفل بنصر نهائي ومطلق، بل تقف بثبات في خط الدفاع الأول لإدارة ارتدادات هذا الزلزال الأمني العنيف.

فهل تنجح الاستراتيجية الحكومية الجريئة والجديدة في احتواء الفوضى المحتملة وبسط سيادة الدولة بشكل حاسم ودائم استعدادًا لاستقبال أنظار العالم في 2026؟

أم أن الكارتل الجريح سيعيد ترتيب صفوفه سريعًا ليثبت للجميع أن غياب الزعيم ليس سوى بداية لنسخة أكثر توحشًا وانتقامًا من “الجيل الجديد”؟

الأيام القليلة المقبلة وحدها هي من ستحمل الإجابة القاطعة، لكن الأكيد الذي لا يقبل الشك أن المكسيك اليوم قد طوت صفحة لتدخل في أخرى أشد غموضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى