ملفات إبستين.. جولة داخل الصندوق الأسود لقادة العالم

في زنزانة باردة بمركز إصلاحية مانهاتن، أُعلن عن انتحار جيفري إبستين في أغسطس 2019، ليُغلق ظاهريًا أحد أكثر الملفات قذارة في التاريخ الحديث.
لكن، وبعد مرور سنوات، لا يزال “شبح” إبستين يطارد نخب العالم، من واشنطن إلى لندن، وصولًا إلى الشرق الأوسط.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس “ماذا فعل إبستين؟” فقد بات ذلك معروفًا، بل السؤال الأخطر هو “من سمح له بفعل ذلك؟ ولماذا؟”.
تحولت “ملفات إبستين” من مجرد قضية جنائية لملياردير منحرف إلى لغز جيوسياسي واستخباراتي يهدد بكشف البنية التحتية الخفية لكيفية إدارة النفوذ في العالم.
هنا في “كشيدة”، نعيد تركيب الصورة لهذا الرجل الغامض، ونحاول فهم لماذا يقاتل البعض باستماتة لإبقاء صندوق “ملفات إبستين” مغلقًا.

الرجل القادم من العدم
تبدأ الحكاية بغموض لا يقل إثارة عن نهايتها.
جيفري إبستين، ابن عامل الحدائق في بروكلين، لم يكمل تعليمه الجامعي، ومع ذلك وجد نفسه في السبعينيات مُدرسًا في مدرسة “دالتون” المرموقة التي يرتادها أبناء نخب نيويورك.
وبقفزة غير منطقية، انتقل من تدريس الرياضيات إلى العمل في بنك “بير شتيرنز” (Bear Stearns)، ليصبح شريكًا محدودًا في زمن قياسي، رغم افتقاره للمؤهلات التقليدية.
لكن اللغز المالي الحقيقي بدأ مع تأسيسه شركته الخاصة “J. Epstein & Co”.
لم يكن لديه سجل مهني يبرر الثقة العمياء التي منحها له الملياردير “ليزلي ويكسنر” (Les Wexner)، مالك إمبراطورية فيكتوريا سيكريت.
في خطوة نادرة وغير مفهومة ماليًا، منح ويكسنر إبستين توكيلًا عامًا (Power of Attorney) مكنه من التصرف في ثروته بالكامل، بيعًا وشراءً، وكأنه المالك الحقيقي.
الأرقام لا تكذب، لكنها في حالة إبستين لا تتطابق.
ثروة إبستين التي تجاوزت 500 مليون دولار لا يمكن تفسيرها بمجرد “إدارة استثمارات” لعميل واحد أو اثنين.
كان هناك تدفق مالي غامض، وشبكة عقارات من نيويورك إلى باريس وجزيرة خاصة في فيرجن آيلاندز، تعمل جميعها كمسارح لعمليات ابتزاز ممنهجة.
هل كان إبستين مجرد “سمسار” أم أداة استخباراتية؟
هنا نصل إلى المنطقة المحظورة.
الفرضية التي يتهامس بها المحللون، وتدعمها زلات لسان المسؤولين، هي أن إبستين لم يكن مجرد ملياردير يبحث عن المتعة، بل كان يدير “عملية مصيدة عسل” (Honey Trap) على مستوى صناعي لصالح أجهزة استخباراتية.
في عام 2008، عندما حاصر الادعاء العام إبستين في فلوريدا لأول مرة، تم إبرام صفقة تسوية مريبة وصفها الكثيرون بأنها “غير مسبوقة في تساهلها”.
السر وراء هذه الصفقة كشفه ألكسندر أكوستا، المدعي العام آنذاك (الذي أصبح لاحقًا وزير عمل في إدارة ترامب).
فقد نُقل عن أكوستا قوله إنه طُلب منه التراجع لأن إبستين “ينتمي للاستخبارات” وأن القضية “أكبر من مستواه الوظيفي”.
هذه التصريحات، التي حاول أكوستا لاحقًا تخفيف حدتها، تفتح الباب واسعًا أمام احتمال أن إبستين كان أصلًا استخباراتيًا (Asset)، سواء للموساد الإسرائيلي أو للـCIA، أو ربما لكليهما.
كان دوره جمع “الكومبرومات” (Materia Compromising) -أي مواد ابتزاز- ضد أقوى رجال العالم لضمان ولائهم أو توجيه قراراتهم.

الظلال في الشرق الأوسط.. جواز سفر وجسور التطبيع الخفية
لم يقتصر نشاط إبستين على الغرب.
تكشف الوثائق والتقارير الاستقصائية عن بعد شرق أوسطي مريب.
عند تفتيش خزانة إبستين الآمنة في مانهاتن بعد اعتقاله، لم تجد المباحث الفيدرالية أموالًا ومجوهرات فحسب، بل وجدت جواز سفر نمساوي منتهي الصلاحية يحمل صورة إبستين ولكن باسم مستعار.
ومحل الإقامة المسجل فيه هو “المملكة العربية السعودية”.
لماذا قد يحتاج سمسار مالي أمريكي لجواز سفر مزور بعنوان سعودي؟
تشير التقارير، بما في ذلك تحقيقات نشرتها منصات مثل “الجزيرة” و”جاكوبين”، إلى أن إبستين لعب دور الوسيط الخفي في قنوات دبلوماسية خلفية.
ارتبط إبستين بعلاقات مالية وشخصية وثيقة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك.
تشير الوثائق إلى أن إبستين حاول تقديم نفسه كبوابة خلفية لربط نخب مالية وسياسية في الخليج العربي بشركات تكنولوجيا إسرائيلية، سنوات قبل توقيع “اتفاقيات أبراهام”.
كان يتحرك في المساحة الرمادية بين “البزنس” والدبلوماسية السرية، مستغلًا شبكة علاقاته لنسج خيوط تواصل غير رسمية، وهو ما يفسر ربما الحماية التي تمتع بها لفترات طويلة.
ما هي ملفات إبستين؟
عندما يسمع القارئ عن “قائمة إبستين”، يتخيل وثيقة واحدة تحمل كل الأسماء.
الحقيقة أكثر تعقيدًا.
ما يطلق عليه “الملفات” هو مزيج من ثلاثة مصادر رئيسية، سجلات طيران طائرته الخاصة المسماة “لوليتا إكسبريس”، و”الكتاب الأسود” الذي كان يحمل أرقام هواتف وعناوين اتصالاته.
وأخيرًا -وهو الأهم- آلاف الصفحات من وثائق المحكمة التي رُفعت عنها السرية تدريجيًا في قضية “فيرجينيا جيوفري ضد غيسلين ماكسويل”.
هذا التشظي في المعلومات ليس عبثيًا؛ بل هو تكتيك قانوني وسياسي.
الأسماء التي ظهرت في الوثائق التي كُشف عنها في مطلع 2024، مثل بيل كلينتون (الذي ورد اسمه عشرات المرات دون اتهام مباشر بجرم) والأمير أندرو ودونالد ترامب، ليست سوى قمة جبل الجليد.
الغموض يكمن في السياق، من منهم كان مجرد مسافر، ومن منهم كان مشاركًا في الجرائم؟ عدم وجود ملف واحد جامع يخدم مصلحة الجميع، حيث يضيع الحابل بالنابل، وتتوه الحقيقة في تفاصيل الإجراءات القانونية.

شبكة العنكبوت
قضية إبستين ليست قصة فرد شاذ، بل قصة نظام كامل.
كيف يمكن لرجل مُدان بجرائم جنسية في 2008 أن يعود ليرتاد الصالونات الثقافية، ويُموّل أبحاثًا في هارفارد وMIT، ويُدعى لحفلات النخبة حتى 2019؟ الإجابة تكمن في شبكة المصالح.
كان إبستين يملك مفاتيح خزائن أسرار الجميع.
بيل غيتس اجتمع معه لمناقشة مشاريع خيرية بعد إدانته الأولى، والأمير أندرو دمر سمعة العائلة الملكية البريطانية بسبب هذه الصداقة.
الشبكة كانت مترابطة لدرجة أن سقوط إبستين كان يعني اهتزاز أعمدة مؤسسات كبرى.
اليوم، ومع كل دفعة جديدة من الوثائق تُفرج عنها المحكمة الفيدرالية، يتكشف جزء صغير من الصورة.
لكن يبقى السؤال المعلق، إذا كان إبستين قد مات، فأين ذهبت أشرطة الفيديو التي كان يُعتقد أنه يسجلها لضيوفه في قصوره؟ ومن ورث “أرشيف الابتزاز”؟
يبدو أن إبستين كان “الصندوق الأسود” لنظام عالمي يفضل العمل في الظل.
قد تكون وفاته قد أغلقت الدعوى الجنائية ضده شخصيًا، لكنها فتحت جرحًا عميقًا في مصداقية العدالة الغربية.



