كيف يؤثر تغيير التوقيت الصيفي والشتوي على صحتنا؟

في تمام الساعة الثانية عشرة من منتصف آخر جمعة في شهر أكتوبر، تستيقظ مصر على ساعة مُعاد ضبطها، عقارب الساعة تُرجع 60 دقيقة إلى الخلف لتبدأ التوقيت الشتوي.
تبدو الفكرة بسيطة، قطعة وقت إضافية تحت الأغطية الدافئة، ساعة “هدنة” في سباق الأيام قصيرة النور.
لكن ما يتخفى خلف تلك اللحظة هو سلسلة من التأثيرات الصحية الجدية التي ربطتها دراسات علمية بتغيير التوقيت الموسمي، من زيادة في معدلات النوبات القلبية إلى تصاعد حوادث السيارات، حسب ما نشرته BBC مؤخرًا.
هذه الساعة الواحدة التي تُنقل بها حياتنا إلى توقيت جديد، قد تغيّر فعليًا أعمال الأعضاء الداخلية في جسمنا, وتترك أثرًا غير مرئي لكنه ملموس.
ما وراء التغيير: التوقيت الصيفي والشتوي من وجهة النظر الصحية
فكرة تقديم أو تأخير الساعة ليست حديثة العهد. في المملكة المتحدة، تم اعتماد نظام التوقيت الصيفي أول مرة عام 1916 في خضم الحرب العالمية الأولى، بهدف التوفير في استهلاك الطاقة والاستفادة من ضوء النهار.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت نحو 70 دولة في العالم تُغيّر عقاربها مرتين في السنة. ولا تُعد مصر استثناءً، بل من بين الدول التي اعتمدت هذا النظام.
وعليه فإن الاقتراب من موعد تغيير الساعة هذا الخريف يُعد مناسبة للتنبيه بأن ساعة واحدة قد تُحدث فارقًا في توازن الساعة البيولوجية داخل جسمك.
لكن لماذا يُعتبر تغيير التوقيت مشكلة صحية؟ السبب يكمن في ارتباطه الوثيق بما يُعرف بـ“الإيقاع اليومي” أو الساعة البيولوجية للجسم.
هذا النظام الداخلي الذي يُحدِّد متى نشعر باليقظة، ومتى ننام، ومتى نطلق هرمونات تساعدنا على التركيز أو تستعد للراحة.
وعندما تُقدَّم الساعة في الربيع، مما يعني أننا نفقد ساعة نوم، أو تؤخر في الخريف، مما يمنحنا ساعة إضافية، ينكسر هذا التزامن الدقيق ويبدأ الجسم في “التعوّض” بطريقة غير مثالية.
تقديم الساعة في الربيع: لماذا يكون الأثر أكبر؟
في الاعتقاد الشائع، تبدو فكرة الانتقال إلى التوقيت الصيفي فرصة للحصول على مساء أطول، وربما نشاط أكبر.
لكن الدراسات تشير إلى أن تقديم الساعة، أي “فقدان” ساعة نوم، يرتبط بارتفاع خطر التعرض لنوبات قلبية وسكتات دماغية، كما أظهرت بيانات تحليلية أن معدلات إدخال المستشفى بسبب النوبات القلبية ارتفعت الأحد الذي يلي تقديم الساعة.
إحدى الدراسات وجدت أن أعراض النوبات القلبية ارتفعت بنسبة 24% في ولاية ميشيغان الأميركية يوم الاثنين الذي تلا تعديل التوقيت، مقارنة بالأيام العادية.
الأمر لا يقتصر على القلب وحده، فاضطراب الإيقاع اليومي يُضعف نوعية النوم، ويزيد التعب، ويؤدي إلى اضطراب ضغط الدم، ويضغط على الصحة النفسية أيضًا.
بعض الباحثين علّقوا أن هذا التغيير يخلق ما يُعرف بـ “jet-lag اجتماعي”، شعور بأن الجسم يعيش على توقيت مختلف عن الساعة التي أمامه.
في مصر، حيث غالبًا نعمل صباحًا وتتناقص ساعات ضوء النهار بشكل أسرع في الشتاء، قد يعني تقديم الساعة في الربيع تغيرًا حادًّا في نمط النوم قبل أن يتكيف الجسم.
التأخير في الخريف: ساعة إضافية… لكن ليست بلا ثمن
أما في الخريف، فإن عقارب الساعة تُرحل إلى الوراء، ويُفترض أن ساعة إضافية تُمنح لنا، ولهذا يفرح كثيرون.
لكن تلك الساعة الإضافية لا تخلو من التأثيرات أيضًا.
بعض الدراسات في دول أوروبية أوضحت أن معدلات نوبات الاكتئاب ارتفعت بنسبة تصل إلى 11% خلال الأسابيع العشرة التي تلت تأخير الساعة.
ووجدت دراسة شملت أكثر من 11 ألف شخص في المملكة المتحدة أن متوسط النوم زاد بمقدار 33 دقيقة فقط يوم الأحد الذي تلى التغيير، وليس الساعة كاملة، وأن الأشخاص استمروا في تسجيل نقص نوم بسيط خلال الأسبوع التالي.
ورغم أن الوقت يُمنح، إلا أن الجسم لم يحصل على نفس التكيف. وخصوصًا مع قصر ساعات النهار، فالإضاءة الطبيعية تصبح أقل، والنشاط النهاري يُقلّ، مما يؤثر على المزاج، والشعور بالانغلاق، وربما يصعد من مخاطر الاضطرابات النفسية.
وبحسب ما نشره أحد باحثي اقتصاديات الصحة، فإن تغيير الساعة مرتين كل سنة يكلف الفرد سنويًا مبالغ قد تتجاوز 750 يورو كنتيجة لـ”الضياع” في النوم وضغوط التكيف، رغم أن القرش الإضافي في الساعة المسائية يبدو مغريًا.
نصائح مهمة
في مصر، والتوقيت يمثل جزءًا من الروتين اليومي للملايين. ومع تغيير الساعة الخميس، يمكن لكل فرد أن يتوقع تغيّراً في جدول نومه، واستيقاظه، وربما مزاجه. إليك ما قد يُساعدك على التكيُّف:
في الليالي التي تسبق التغيير، حاول أن تذهب إلى النوم قبل الموعد المعتاد بعشرين إلى ثلاثين دقيقة، حتى تقلّل فجوة الساعة.
فتح الستائر فور الصباح، أو المشي القصير بالخارج يساعد على ضبط ساعتك البيولوجية.
امتنع عن الكافيين قبل النوم المبكر، وقلّل استخدام الشاشات الإلكترونية في المساء، لأن الضوء الأزرق يربك إنتاج الميلاتونين، الهرمون الذي يُشغل النوم.
إذا كنت تشعر بأنك “لم تستعد بعد” بعد تغيير الساعة، فاعلم أن الأمر طبيعي وقد يستمر بضعة أيام.
لكن إذا طال أكثر من ثلاثة أو أربعة أسابيع مع إرهاق مستمر وأعراض مثل اضطراب القلب أو الاكتئاب، فربما من الحكمة استشارة الطبيب.



