"عملية الكريسماس".. لماذا قصفت الولايات المتحدة نيجيريا؟

في صباح يوم عيد الميلاد، وجد شمال غرب نيجيريا نفسه فجأة في قلب حدث دولي لافت، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة نفذت ضربات جوية «قوية ومميتة» ضد عناصر تابعين لتنظيم «الدولة الإسلامية» في الأراضي النيجيرية.
الإعلان، الذي جاء بلغة تصعيدية غير معتادة، فتح الباب أمام أسئلة أوسع؛ لماذا نيجيريا تحديدًا؟ وما علاقة ذلك بخطاب «اضطهاد المسيحيين» الذي يردده ترامب وأنصاره منذ أشهر؟ وهل تمثل الضربات تحوّلًا حقيقيًا في السياسة الأميركية تجاه أفريقيا، أم مجرد حلقة جديدة في مسار سياسي داخلي أميركي؟
ضربة معلنة.. وسياق غامض
قال ترامب إن الضربات استهدفت عناصر من «داعش» في شمال غرب نيجيريا، متهمًا التنظيم باستهداف المسيحيين وقتلهم «بمستويات لم تُشهد منذ قرون».
وأضاف أن العملية نُفذت بأمر مباشر منه، وبقدرات «لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة».
لاحقًا، أكدت القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) أن الضربة نُفذت في ولاية سوكوتو، وبالتنسيق مع السلطات النيجيرية.
غير أن حذف بيان أولي كان يشير إلى أن العملية جرت «بطلب من الحكومة النيجيرية» أثار تساؤلات حول طبيعة التفاهمات السياسية والعسكرية بين الطرفين.
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث اكتفى بتوجيه الشكر للحكومة النيجيرية على «الدعم والتعاون»، دون الخوض في تفاصيل إضافية، ما زاد من غموض المشهد.
لماذا شمال غرب نيجيريا؟
تقليديًا، ارتبط اسم نيجيريا في الإعلام الدولي بتمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا، إذ بات الشمال الغربي، خاصة ولايات مثل سوكوتو وزمفارا وكاتسينا، مسرحًا لنشاط جماعات مسلحة متداخلة.
عصابات إجرامية تمارس الخطف الجماعي، ومجموعات جهادية مرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية– ولاية الساحل».
في سوكوتو تحديدًا، تُستخدم المناطق الحرجية كملاذات لهذه الجماعات، ويُعرف بعض عناصرها محليًا باسم «لاكوراوا».
ويرى محللون أن بعض هذه الخلايا نشأ في الأصل كرد فعل من رعاة ماشية على هجمات العصابات، في ظل غياب فعّال للدولة، قبل أن يتقاطع لاحقًا مع شبكات جهادية أوسع.
خطاب «حماية المسيحيين»
منذ عودته إلى البيت الأبيض، جعل ترامب من قضية «اضطهاد المسيحيين» محورًا متكررًا في خطابه الخارجي، خاصة تجاه أفريقيا.
وفي حالة نيجيريا، تضخّم هذا الخطاب داخل أوساط اليمين الديني الأميركي، الذي يرى أن المسيحيين هناك يتعرضون لحملة عنف ممنهجة.
في سبتمبر الماضي، دفع السيناتور الجمهوري تيد كروز باتجاه فرض عقوبات على مسؤولين نيجيريين، متهمًا إياهم بـ«التساهل مع العنف ضد المسيحيين».
ولاحقًا، صنّفت الإدارة الأميركية نيجيريا «دولة مثيرة للقلق الخاص» بموجب قانون الحرية الدينية الدولي.
هذا التصنيف لم يكن خطوة رمزية فقط؛ إذ تبعه توجيه للبنتاغون بدراسة خيارات عسكرية محتملة، في حال استمر ما وصفه ترامب بـ«فشل الحكومة النيجيرية في حماية المسيحيين».
هل العنف في نيجيريا ديني فعلًا؟
هنا تبدأ التعقيدات.
نيجيريا دولة علمانية دستوريًا، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 220 مليون نسمة، منقسمين دينيًا بشكل شبه متوازن بين المسلمين والمسيحيين.
وعلى الرغم من أن الهجمات التي تطال الكنائس ورجال الدين تحظى بتغطية دولية واسعة، فإن الحكومة النيجيرية ترفض توصيف ما يجري باعتباره «اضطهادًا دينيًا».
تؤكد أبوجا أن الجماعات المسلحة تستهدف المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وأن دوافع العنف تتداخل فيها عوامل اقتصادية وأمنية وعرقية، لا دينية فقط.
في مناطق الوسط والشمال، مثلًا، تتكرر الاشتباكات بين رعاة مسلمين ومزارعين مسيحيين، بسبب النزاع على الأراضي ومصادر المياه، وهي صراعات قديمة تفاقمت بفعل التغير المناخي وضعف الدولة.
أما خطف القساوسة ورجال الدين، فيرى بعض الباحثين أنه مدفوع في الأساس باعتبارات مالية، إذ يُنظر إليهم كوسيلة ضغط قادرة على جمع فديات بسرعة.
موقف نيجيريا الرسمي
بعد الضربات الأميركية، رحبت وزارة الخارجية النيجيرية بالتعاون الأمني مع واشنطن، لكنها تعمدت الفصل بين العمليات العسكرية وخطاب «اضطهاد المسيحيين».
وقالت الوزارة إن «الإرهاب بجميع أشكاله، سواء استهدف مسلمين أو مسيحيين أو غيرهم، يمثل اعتداءً على قيم نيجيريا وعلى السلم الدولي».
الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو كان قد صرّح قبل أسابيع بأن تصوير نيجيريا كدولة غير متسامحة دينيًا «لا يعكس الواقع»، مؤكدًا أن حرية العقيدة جزء أصيل من الهوية الوطنية.
ضربة في سياق إقليمي متوتر
جاءت الضربات الأميركية بعد يوم واحد فقط من تفجير انتحاري استهدف مسجدًا في ولاية بورنو شمال شرق البلاد، أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل.
الجيش النيجيري نسب الهجوم إلى جماعة بوكو حرام، في تذكير صارخ بأن العنف لا يستهدف ديانة بعينها.
إقليميًا، تتحرك الجماعات الجهادية عبر حدود رخوة بين نيجيريا والنيجر ومالي، مستفيدة من هشاشة الدول وتراجع النفوذ الغربي التقليدي في الساحل بعد انسحاب القوات الفرنسية.
ترامب.. مرشح «السلام» أم رئيس الضربات؟
المفارقة أن ترامب قدّم نفسه في حملته الانتخابية عام 2024 بوصفه «مرشح السلام»، متعهدًا بإنهاء «الحروب التي لا تنتهي».
لكن عامه الأول بعد العودة إلى الرئاسة شهد سلسلة تدخلات عسكرية، شملت اليمن وسوريا وإيران، إضافة إلى تحركات عسكرية في البحر الكاريبي تجاه فنزويلا.
ويرى محللون أن الضربات في نيجيريا تخدم هدفين متوازيين؛ خارجيًا، توجيه رسالة مفادها أن واشنطن لا تزال لاعبًا أمنيًا فاعلًا في أفريقيا.
وداخليًا، مخاطبة القاعدة الإنجيلية التي ترى في ترامب «حامي المسيحيين» حول العالم.
ما الذي تغيّره الضربات فعليًا؟
رغم الضجيج السياسي، يشكك كثير من الخبراء في أن تؤدي ضربة جوية محدودة إلى تغيير جذري في المشهد الأمني النيجيري.
فالجذور العميقة للعنف، من فقر وبطالة وتغير مناخي وضعف مؤسسات، لا تُعالج بالصواريخ.
لكن المؤكد أن نيجيريا دخلت، ولو مؤقتًا، دائرة الاستقطاب السياسي الأميركي، حيث تتحول أزماتها الداخلية المعقدة إلى مادة في صراع الخطابات داخل واشنطن.



