خطاب ترامب الأطول في التاريخ.. "عصر ذهبي" أم انقسام غير مسبوق؟

قد تكون تابعت مقتطفات من خطاب حالة الاتحاد الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو ربما قرأت بعض العناوين العريضة التي تصدرت نشرات الأخبار العالمية والمحلية.
لكن المشهد داخل أروقة الكونغرس، والذي استمر لأكثر من ساعة وثمان وأربعين دقيقة في سابقة هي الأطول زمنيًا في تاريخ خطابات الرؤساء للولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن مجرد سرد اعتيادي لإنجازات سياسية واقتصادية.
بل كان تجسيدًا حيًا ودقيقًا لحالة انقسام عميق ومستمر تعيشها الأمة الأمريكية في الوقت الراهن.
في هذه المساحة، لن نكتفي بنقل الكلمات التي دوت تحت قبة الكابيتول بشكل سطحي كما تفعل وكالات الأنباء التقليدية، بل سنغوص في دلالاتها العميقة، ونفكك المشهد المعقد بين “العصر الذهبي” الذي يروج له البيت الأبيض بكل ثقة، والواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي تراه المعارضة الديمقراطية مليئًا بالتحديات والمخاطر.
وصولًا إلى اختبار الحقائق والأرقام التي تقف كحكم نهائي وموضوعي بين كلتا الروايتين، ليخرج القارئ بفهم شامل لا يقتصر على ماذا قيل، بل لماذا قيل وما هي تداعياته.
رواية “العصر الذهبي” وفجوة الشعور العام
منذ اللحظات الأولى لخطابه التاريخي من حيث المدة، صرح الرئيس ترامب بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش حاليًا ما أسماه “العصر الذهبي”، وهو تصريح يعكس رغبة واضحة ومدروسة في تصدير صورة التفاؤل والنجاح المطلق لإدارته في بداية عامها الثاني من الولاية الجديدة.
وبنبرة لا تخلو من الثقة المعتادة التي تميز خطاباته، استعرض ترامب سلسلة من المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي يراها دليلاً قاطعًا على نجاح سياساته.
أوضح ترامب أن الاقتصاد الأمريكي يمر بحالة من “الازدهار غير المسبوق”، حيث يزأر بقوة لم يعهدها من قبل، مشيرًا في سياق حديثه التفصيلي إلى انخفاض تكاليف البنزين، وتراجع معدلات الرهن العقاري، بالإضافة إلى هبوط أسعار الأدوية الموصوفة والارتفاع الملحوظ والتاريخي الذي يشهده سوق الأسهم.
وأكد الرئيس بنبرة حاسمة أن هذه العوامل الاقتصادية مجتمعة تجعل الملايين والملايين من الأمريكيين يحققون مكاسب طائلة، رافضًا الاعتراف بوجود أي أزمة مستمرة في غلاء الأسعار أو تكاليف المعيشة التي تؤرق الطبقة المتوسطة.
بيد أن هذا التفاؤل الرئاسي المفرط يصطدم بواقع شعبي يبدو أكثر قتامة وتعقيدًا مما تم تصويره تحت أضواء الكونغرس.
فبحسب استطلاعات الرأي الحديثة التي أجرتها وكالة “أسوشيتد برس” بالتعاون مع مركز “نورك” لأبحاث الشؤون العامة، كشف الاستطلاع أن 39% فقط من البالغين الأمريكيين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الملف الاقتصادي خلال شهر فبراير.
هذا التباين الصارخ بين الخطاب الرسمي الفضفاض والمزاج العام القلق يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الإدارة على استشعار النبض الحقيقي للشارع.
فالأرقام الكلية للاقتصاد قد تبدو ممتازة على الورق، لكن المواطن الذي عانى من صدمات التضخم المتتالية في السنوات الماضية لا يزال يشعر بوطأة الأسعار في المتاجر، مما يثير تساؤلًا حول ما إذا كان هذا التفاؤل يحمل مخاطرة سياسية قد تُظهر الإدارة كجهة منفصلة عن الواقع الاقتصادي الضاغط.
معضلة الرسوم الجمركية والصدام مع السلطة القضائية
علاوة على ذلك، لم يخلُ الخطاب من التطرق إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الآونة الأخيرة على الساحة السياسية الأمريكية؛ ألا وهي معركة الرسوم الجمركية والصدام مع النظام القضائي.
فقبل أيام معدودة من الخطاب، كانت المحكمة العليا الأمريكية قد اتخذت قرارًا حاسمًا بإبطال سياسة الرسوم الجمركية التي يتبناها ترامب، والتي تعد من الركائز الأساسية لبرنامجه الاقتصادي الحمائي.
هذا القرار القضائي دفع ترامب حينها لشن هجوم لاذع وغير مسبوق، حيث وصف القضاة الذين صوتوا ضد سياسته بأنهم “مصدر إحراج لعائلاتهم”.
لكنه، وتحت قبة الكونغرس وأمام عدسات الكاميرات، استدرك موقفه ببرود ملحوظ وتراجع خطوة إلى الوراء، مكتفيًا بوصف حكم المحكمة العليا بأنه مجرد قرار “مؤسف”، في محاولة للتعامل مع الموقف بنوع من اللامبالاة وتقليل حجم الخسارة السياسية الفادحة أمام خصومه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أضاف ترامب ادعاءً جريئًا أثار حفيظة الخبراء الماليين، حين صرح بأن الرسوم الجمركية التي تدفعها الدول الأجنبية، بحسب قناعته، ستعوض في المستقبل نظام ضريبة الدخل الحديث بشكل كبير، ما سيخفف العبء الضريبي المباشر عن المواطنين الأمريكيين الذين يكن لهم كل الحب. وهنا، يجب أن نضع هذا الادعاء تحت المجهر التحليلي الدقيق لتفكيكه.
فمن الناحية الدستورية والقانونية الصرفة، تبدو هذه الرؤية شبه مستحيلة وقابلة للطعن الفوري.
نظام ضريبة الدخل الاتحادي مشرع ومحمي بموجب التعديل السادس عشر للدستور الأمريكي، وسلطة جمع الإيرادات وتعديل الضرائب تقع في النهاية بين يدي الكونغرس حصرًا وليس استنادًا لقرارات تنفيذية أو أمنيات رئاسية.
من ناحية أخرى، تؤكد جميع الدراسات الاقتصادية المعتبرة تقريبًا أن الرسوم الجمركية لا تدفعها الحكومات أو الشركات الأجنبية كما يُروج في الخطابات الجماهيرية، بل يتحمل تكلفتها الفعلية في نهاية المطاف الشركات الأمريكية المستوردة، ومن ثم المستهلك المحلي الذي يجد نفسه مضطرًا لدفع أسعار أعلى مقابل السلع المستوردة.
هذا التناقض الصريح يبرز بوضوح الفجوة بين الخطاب الشعبوي والواقع الاقتصادي المدروس.

المسرحية السياسية وتعميق الاستقطاب الحزبي
كما جرت العادة في خطابات الرئيس ترامب، لعبت الدراما السياسية والمسحة الوطنية دورًا محوريًا في رسم ملامح هذه الأمسية الطويلة الماراثونية.
حاول الرئيس ببراعة استدعاء المشاعر الوطنية العميقة لدى الأمريكيين من خلال تكريم شخصيات بارزة شكلت مصدر إلهام وفخر في الوجدان الأمريكي، حيث شمل التكريم الاحتفالي فريق الهوكي الأوليمبي وأحد أبطال الحرب العالمية الثانية العظماء.
وقام ترامب باستغلال اللحظة لمنح العديد من الميداليات الرئاسية في محاولة ذكية لإضفاء طابع إيجابي واحتفالي على الخطاب، وتوجيه الأنظار نحو إنجازات أمريكية خالصة توحد الصفوف ظاهريًا.
وفي لحظة كاشفة عن شخصيته المحبة للظهور والفريدة من نوعها، تساءل ترامب بنبرة ساخرة أمام الحضور عن سبب عدم قدرته قانونيًا على منح نفسه ميدالية للكونغرس، وهو ما يعكس أسلوبه المعتاد في كسر القوالب التقليدية للخطابات الرئاسية والمؤسسية.
على النقيض تمامًا من هذه اللحظات الاحتفالية التوحيدية، سرعان ما اتخذ الخطاب منعطفًا مظلمًا وحادًا، وتحول إلى منصة للهجوم المباشر والشرس على خصومه الديمقراطيين.
وجه ترامب اتهامات قاسية للمعارضة، محملاً إياهم مسؤولية العديد من أزمات البلاد البنيوية، حيث ادعى أنهم السبب الرئيسي وراء ارتفاع أقساط الرعاية الصحية التي ترهق كاهل المواطن، وزعم أنهم لا يحمون نظام الضمان الاجتماعي الحيوي، بل وذهب إلى حد القول حرفيًا إن الديمقراطيين يدمرون هذا البلد، واصفًا إياهم بوضوح أمام ملايين المشاهدين بأنهم مجانين.
هذا الهجوم اللفظي الشرس قابله صمت مطبق ومدروس من الجانب الديمقراطي في القاعة، الذين اختاروا عدم الرد بالصيحات أو المقاطعة للحفاظ على الهدوء، باستثناء حادثة فردية وحيدة تمثلت في قيام النائب الديمقراطي عن ولاية تكساس، آل غرين، برفع لافتة احتجاجية كتب عليها “السود ليسوا قردة!” بعد بالكاد دقيقتين من بدء الخطاب، مما أدى إلى إخراجه فورًا من القاعة من قبل أمن الكابيتول.
هذه المشاهد المتناقضة، بين التكريم الوطني والطرد القسري، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الخطاب، ورغم محاولته استحضار الوحدة الوطنية في بعض فقراته، قد عمق من حدة الاستقطاب السياسي والاجتماعي في البلاد بشكل غير مسبوق.
الرد الديمقراطي المضاد: التركيز على المؤسسات وتكلفة المعيشة
في المقابل، لم يقف الحزب الديمقراطي في موقف المتفرج الصامت أمام هذه السردية.
بل اختارت المعارضة شخصية وازنة ومؤثرة للرد، وهي حاكمة ولاية فرجينيا، أبيجيل سبانبرغر، لتقديم الرد الديمقراطي الرسمي على خطاب حالة الاتحاد، في خطوة تحمل دلالات استراتيجية كبرى.
ومن مدينة كولونيال ويليامزبرغ التاريخية، التي ترمز تاريخيًا للمعارضة المبكرة والمقاومة الوطنية ضد الحكم البريطاني الاستعماري وتأسيس مبادئ الحرية، وجهت سبانبرغر رسالة مضادة ومدروسة بعناية فائقة، سعت من خلالها لتفنيد رواية “العصر الذهبي” جملة وتفصيلاً وإعادتها إلى أرض الواقع.
بنت سبانبرغر خطابها المكثف، الذي لم يتجاوز 13 دقيقة مقارنة بخطاب ترامب الماراثوني، على سلسلة من التساؤلات المنطقية والمباشرة الموجهة بصدق للمواطن الأمريكي الجالس في منزله، متسائلة عما إذا كان الرئيس يعمل حقًا على جعل الحياة أكثر تحملًا من الناحية المادية لعائلته التي تكافح لدفع الفواتير؟
وعما إذا كان يعمل بجدية على إبقاء الأمريكيين آمنين في الداخل والخارج في ظل التوترات العالمية؟ وهل الرئيس يعمل من أجله حقًا أم من أجل مصالحه السياسية؟
لفتت الحاكمة الانتباه إلى ما وصفته بالواقع المرير والمقلق تحت إدارة ترامب، مشيرة إلى مفارقة صارخة تتمثل في قيام الإدارة بإرسال عملاء اتحاديين غير مدربين بشكل كافٍ إلى المدن الأمريكية، حيث قاموا باعتقال واحتجاز مواطنين أمريكيين وأشخاص يطمحون لأن يكونوا أمريكيين بطرق تنتهك الحريات المدنية الأساسية.
وأكدت بشدة أن سياسات ترامب تسعى بشكل ممنهج إلى إثارة الانقسام ووضع الأمريكيين في مواجهة بعضهم البعض لغايات انتخابية، مضيفة أن هذا الوضع المتوتر يتناقض تمامًا مع الرؤية الديمقراطية المتسامحة التي وضعها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة.
ويرى قادة الحزب الديمقراطي في هذا النهج الهادئ والمرتكز على تكاليف المعيشة والقضايا اليومية للمواطن استراتيجية ناجحة وعملية يمكن تعميمها على مستوى البلاد استعدادًا للانتخابات النصفية المقبلة.
ما وراء البلاغة السياسية
كشف تقرير مفصل لتدقيق الحقائق أجرته وكالة “أسوشيتد برس” أن خطاب حالة الاتحاد تضمن العديد من الروايات المشوهة والمعلومات التي تم تحويرها بشكل واضح حول قضايا مفصلية وحساسة مثل مستويات التضخم الحقيقية، وملف الهجرة الشائك، والتأثير الفعلي للرسوم الجمركية على الاقتصاد الكلي، وصولاً إلى السياسة الخارجية والحروب التي تشارك فيها أو تدعمها الولايات المتحدة.
أوضح التقرير أن العديد من الإنجازات التي تفاخر بها الرئيس بثقة تامة، والتي أصر على وصفها بأنها تمثل “تحولًا تاريخيًا للعصور”، لم تصمد أمام الفحص الدقيق والمراجعة الموضوعية للأرقام والبيانات الحكومية الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة نفسها، حيث وُصفت ادعاءاته بأنها تفتقر إلى الدقة ولا تتجاوز مرحلة التدقيق والتمحيص المستقل.
لا يمكننا أبدًا النظر إلى خطاب حالة الاتحاد لعام 2026، وهو الأطول والأكثر إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة، باعتباره مجرد طقس سياسي سنوي عابر يفرضه الدستور.
بل هو في جوهره إعلان صريح وواضح عن إطلاق شرارة المعركة السردية الطاحنة التي ستشكل ملامح الانتخابات النصفية القادمة، وتحدد مسار أكبر قوة اقتصادية وسياسية في العالم للسنوات القادمة.
بين ترويج الإدارة المستمر لـ “عصر ذهبي” وازدهار اقتصادي تدعي أنه لا تشوبه شائبة، وبين تحذير المعارضة الديمقراطية المتواصل من تآكل المؤسسات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعميق الانقسام المجتمعي المتعمد، يقف المواطن الأمريكي اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وخيارات متناقضة جذريًا.



