تريند

حظر الصلاة والنقاب في كندا يثير مخاوف المسلمين

في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل داخل كندا وخارجها، أعلنت حكومة مقاطعة كيبيك عن مشروع قانون جديد يحمل اسم «بيل 9»، يفرض قيودًا غير مسبوقة على الصلاة في الأماكن العامة ويمنع تغطية الوجه بالكامل داخل المؤسسات التعليمية والعامة، ما وصفته مجموعات مسلمة بأنه استهداف مباشر لمجتمعهم وتضييق على ممارساتهم الدينية.

المشروع، الذي قدمه وزير العلمانية جان فرانسوا روبيرج، يكمل مسارًا تشريعيًا طويلًا بدأته كيبيك قبل سنوات مع قانون «بيل 21» الشهير، لكنه يتجاوز هذه المرة حدود الوظائف الحكومية ليصل إلى الحياة اليومية للطلاب والعاملين والمرتادين للمؤسسات العامة.

وحسب الصياغة الأولية، يحظر القانون إقامة أي صلاة فردية أو جماعية داخل الجامعات والكليات، كما يمنع الصلاة في الشوارع والحدائق والساحات العامة دون تصريح مسبق، مع فرض غرامات قد تصل إلى 1125 دولارًا كنديًا على المخالفين.

هل القانون يستهدف المسلمين؟

رغم أن نص القانون لا يذكر المسلمين صراحة، فإن منتقديه، بمن فيهم منظمات حقوقية وخبراء قانون، يرون أنه يحمل تأثيرًا غير متكافئ على المسلمين مقارنة بغيرهم من الطوائف الدينية، إذ تُمارس الصلاة في الإسلام في أوقات محددة يوميًا، وقد يتعذر على الطلاب أو الموظفين أداءها داخل منازلهم.

الحكومة تقول إنها تريد «ضمان حياد الدولة»، لكن مجموعات مسلمة اعتبرت أن التوقيت واللغة المستخدمة في تصريحات المسؤولين تعكس نوايا مختلفة.

ففي معرض دفاعه عن المشروع، قال روبيرج إن المؤسسات التعليمية «ليست كنائس أو معابد»، وإنه «مستفز أن يحتل الناس الشوارع والحدائق لأداء الصلاة دون إذن»، في إشارة إلى تجمعات Montreal4Palestine الأخيرة قرب كاتدرائية نوتردام، حيث أدى المشاركون الصلاة خلال احتجاجات مؤيدة لفلسطين.

هذه التصريحات أثارت غضبًا واسعًا داخل الجالية المسلمة التي اعتبرتها «مُحرِّضة» و«تصوّر الصلاة كتهديد للنظام العام»، وفق الجارديان.

النقاب في قلب المعركة

أحد البنود الأكثر حساسية في مشروع القانون الجديد يتعلق بمنع تغطية الوجه بالكامل داخل المؤسسات العامة والتربوية، بما يشمل الجامعات والكليات والمدارس الخاصة ودور الحضانة والمراكز التعليمية المختلفة.

ورغم أن الحكومة لم تذكر «النقاب» بالاسم، فإن مجموعات المسلمين والباحثين في شؤون الأقليات أكدوا أن هذا البند سيطال النساء المنقبات بشكل مباشر، وسيحرمهن من الدراسة أو العمل في هذه المؤسسات.

الحكومة ترى أن كشف الوجه «شرط ضروري للتواصل والأمن داخل المنشأة»، لكن المنتقدين يعتبرون أن الصياغة «فضفاضة» وقد تُستخدم لتقويض حق نساء بعينهن في التعليم والعمل.

توسّع في صلاحيات قانون بيل 21

مشروع بيل 9 لا يأتي من فراغ؛ فهو ينتمي إلى سلسلة متراكمة من التشريعات التي أقرتها حكومة «التحالف من أجل مستقبل كيبيك»، والتي جعلت العلمانية جزءًا رئيسيًا من خطابها السياسي.

فقانون بيل 21 عام 2019، والذي منع القضاة والشرطة والمعلمين من ارتداء الرموز الدينية، كان أول خطوة كبرى في هذا التوجه.

لكن بيل 9 يذهب أبعد، فهو يوسّع الحظر ليشمل العاملين في المؤسسات الخاصة التعليمية، ويفرض قيودًا على الطلاب أنفسهم، ويجرّم الصلاة في المؤسسات التعليمية، ويمنع الأغطية الكاملة للوجه داخل كل المرافق التربوية.

وبذلك يتحول نطاق مسألة «العلمانية»، كما يصفها منتقدون، من تنظيم المؤسسات الحكومية إلى تقييد ممارسات الأفراد أنفسهم في حياتهم اليومية.

وجبات الحلال والكوشر تحت قيود جديدة

أحد البنود المفاجئة في مشروع القانون هو الحدّ من تقديم الوجبات الدينية الخاصة، مثل الطعام الحلال والطعام الكوشر.

وتقول الحكومة إن «الدولة يجب أن تكون محايدة وألا تقدّم خدمات دينية متخصصة».

لكن هذا البند أثار انتقادات واسعة، إذ يرى حقوقيون أنه يمس الحياة اليومية للأقليات وقد يعرّض بعض الطلاب والمرضى لصعوبات في الحصول على وجبات مناسبة لدينهم.

ويشير خبراء إلى أن الربط بين «الطعام الخاص» و«الحياد الديني» أمر يحتاج إلى تفسير قانوني متين، خصوصًا أن أغلب المؤسسات الغربية تعتمد منذ سنوات تقديم وجبات تلائم احتياجات مختلفة دون إشكاليات قانونية.

الكنيسة الكاثوليكية تنتقد المشروع

في موقف غير معتاد، أصدر مجلس أساقفة كيبيك بيانًا يعارض فيه مشروع القانون، واصفًا إياه بأنه «انتهاك جوهري للحريات الدينية»، وأن الحكومة «لم تقدم مبررات مقنعة» لهذه الإجراءات المتشددة.

هذا الموقف أعطى بعدًا جديدًا للجدل، إذ أصبحت معارضة القانون لا تأتي فقط من الأقليات الدينية، بل من مؤسسات مسيحية بارزة، ما يعكس أن المسألة تتجاوز حدود الإسلام وحده.

«نشعر بأننا مستهدفون»: صوت من الجالية المسلمة

تقول إيناس راربّو، طالبة هندسة في جامعة كيبيك، إن القانون «يضرب في صميم شعورنا بالانتماء»، مضيفة: «الرسالة واضحة… لسنا موضع ترحيب».

أما المجلس الوطني للمسلمين في كندا (NCCM)، فقد وصف المشروع بأنه «محاولة لكسب نقاط سياسية عبر استهداف المسلمين»، وأن الحكومة «تصنع أزمة غير موجودة لأغراض انتخابية».

وكما حدث في قانون بيل 21، تستند الحكومة إلى استخدام «بند الاستثناء»، وهو أداة دستورية تسمح بتجاوز بعض الحقوق الأساسية لخمسة أعوام قابلة للتجديد.

هذا البند يمنح الحكومة قدرة شبه كاملة على منع المحكمة من إسقاط القانون بحجة انتهاك الحقوق الدستورية.

ومع ذلك، تستعد المحكمة العليا الكندية لبحث مدى قانونية استخدام هذا البند في المرحلة المقبلة، ما قد يغيّر شكل العلاقة بين التشريعات المقاطعية والحقوق الدستورية في البلاد.

صراع هويات أم نقاش قانوني؟

يرى محللون أن النقاش حول بيل 9 ليس مجرد نقاش قانوني أو إداري، بل هو جزء من صراع هوية تعيشه كيبيك منذ عقود، بين نموذج «العلمانية الصارمة» الذي يدعو إليه البعض، والنموذج الكندي القائم على «التعددية الثقافية».

وبينما تؤكد الحكومة أن هدفها «ترسيخ حياد الدولة»، تقول مجموعات من المسلمين والمنظمات الحقوقية إن هذا الحياد يتحول تدريجيًا إلى «ضغط ممنهج» يجعلهم يشعرون بأنهم خارج النسيج الاجتماعي.

لم يُقرّ القانون بعد، وما زال مشروعًا في مرحلة النقاش البرلماني، لكن ملامح المعركة المقبلة أصبحت واضحة، معارضة قوية من الأقليات، وانتقادات من الكنيسة، وتشكيك قانوني واسع، في مقابل حكومة متمسكة بمسارها.

ويبدو أن بيل 9، سواء تم تمريره بصيغته الحالية أو المعدّلة، سيظل علامة فارقة في النقاش الدائر حول الدين والعلمانية في كندا، وخصوصًا في كيبيك التي تمضي نحو نموذج متشدّد يرى فيه البعض «حماية للهوية»، بينما يراه آخرون «قيدًا على الحريات الأساسية».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى