حياة

القهوة والشاي.. هل يمتلك مشروبك الصباحي "درعًا كيميائيًا" لحماية عقلك من الخرف؟

في صباح التاسع من فبراير 2026، وبينما يرتشف الملايين حول العالم قهوتهم الصباحية بحثًا عن جرعة نشاط لبدء يومهم، كانت الأوساط العلمية تزيح الستار عن نتائج دراسة طويلة الأمد قد تغير نظرتنا لهذا الطقس اليومي.

لم يعد الأمر مجرد “تنبيه” للحواس، بل يبدو أن هناك معركة بيولوجية صامتة تدور داخل أدمغتنا، قد يكون فنجان القهوة أو الشاي أحد أسلحتها الفعالة لدرء واحد من أكثر أمراض الشيخوخة قسوة، وهو الخرف.

ولكن، قبل أن تفرط في تناول الكافيين، علينا أن نتوقف لقراءة السطور وما بينها، فالمسألة أعقد من مجرد معادلة “اشرب أكثر لتعيش أفضل”.

في “كشيدة”، نغوص في تفاصيل هذا الكشف العلمي الجديد، ونربطه بسياقات طبية سابقة، لنفهم أين تنتهي الحقيقة العلمية وتبدأ المبالغات؟

حصن ضد التدهور المعرفي

كشفت الدراسة الحديثة التي نشرت نتائجها اليوم في “دورية الجمعية الطبية الأمريكية”، والتي استندت إلى سجلات صحية لأكثر من 130 ألف شخص، عن وجود رابط قوي بين استهلاك الكافيين بانتظام وبين تراجع مخاطر الإصابة بالخرف.

البيانات التي جمعها الباحثون على مدار أربعين عامًا، وهي فترة زمنية ضخمة في عرف الدراسات الطبية، أشارت إلى أن أولئك الذين اعتادوا شرب كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة المحتوية على الكافيين، أو كوبين إلى خمسة أكواب من الشاي يوميًا، انخفض لديهم خطر الإصابة بالخرف بنسبة تتراوح بين 15% و20% مقارنة بأولئك الذين تجنبوا هذه المشروبات تمامًا.

لم يتوقف الأمر عند مجرد “الوقاية”، بل أظهرت النتائج أن شاربي القهوة المحتوية على الكافيين سجلوا تدهورًا معرفيًا أقل بشكل طفيف، وأداءً أفضل في بعض الاختبارات الموضوعية لوظائف الدماغ، مقارنة بنظرائهم الذين اختاروا القهوة منزوعة الكافيين (Decaf).

هذه النتيجة تحديدًا تفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول دور “الكافيين” كمادة كيميائية نشطة، ليس فقط في التنبيه اللحظي، بل في الحفاظ على الهيكلية الوظيفية للمخ على المدى الطويل.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

لفهم لماذا قد يكون لهذين المشروبين هذا التأثير، علينا النظر إلى التركيب الكيميائي لما نرتشفه.

يوضح يو تشانغ، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في علم الأوبئة الغذائية بجامعة هارفارد، أن القهوة والشاي ليسا مجرد ماء ملون، بل هما “حساء كيميائي” معقد يحتوي على الكافيين والبوليفينولات (Polyphenols).

تعمل هذه المركبات كخط دفاع بيولوجي محتمل ضد شيخوخة الدماغ عبر آليتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بتحسين صحة الأوعية الدموية، مما يضمن تدفقًا سليمًا للدم والأكسجين إلى خلايا المخ، وهو أمر حيوي للحفاظ على الوظائف الإدراكية.

والثانية، وربما الأكثر أهمية، هي دورها في تقليل “الإجهاد التأكسدي” (Oxidative Stress). في عمليات الأيض اليومية، تنتج أجسامنا ذرات وجزيئات ضارة تسمى “الشوارد الحرة”، والتي تهاجم الخلايا والأنسجة وتتلفها بمرور الوقت.

تعمل البوليفينولات كمضادات للأكسدة، حيث تتصدى لهذه الشوارد وتحيدها، مما يقلل من الالتهابات التي تلعب دورًا رئيسيًا في الإصابة بالأمراض التنكسية العصبية.

إضافة إلى ذلك، تشير الدراسة إلى زاوية أخرى تتعلق بـ”الصحة الأيضية”. فالكافيين، على سبيل المثال، يرتبط بانخفاض معدلات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، ومن المعروف طبيًا أن السكري يعد أحد عوامل الخطر الرئيسية المؤدية للخرف.

إذن، قد تكون الحماية هنا غير مباشرة؛ فالقهوة تحمي الجسد من السكري، وبذلك تحمي الدماغ من تبعاته.

دقة البيانات.. قراءة في المنهجية

تكتسب هذه النتائج قوتها من حجم العينة ومنهجية البحث.

فقد حلل الباحثون سجلات 131821 متطوعًا مسجلين في اثنتين من أكبر دراسات الصحة العامة في الولايات المتحدة، “دراسة صحة الممرضات” و”دراسة متابعة المهنيين الصحيين”.

خضع المشاركون لتقييمات متكررة لأنظمتهم الغذائية، وتشخيصات الخرف، وأي تدهور معرفي عانوا منه، بالإضافة إلى نتائج اختبارات معرفية موضوعية امتدت لما يصل إلى 43 عامًا.

اللافت في النتائج هو أن التأثير الوقائي بدا وكأنه يصل إلى “هضبة” أو حد أقصى من الفائدة عند استهلاك كوبين إلى ثلاثة أكواب من القهوة، أو كوبين إلى خمسة من الشاي.

بمعنى آخر، الإفراط في الشرب لن يمنحك حماية إضافية، بل قد يأتي بنتائج عكسية.

كما لم يتم العثور على أي رابط وقائي بين القهوة منزوعة الكافيين وبين الخرف، مما يعزز فرضية أن الكافيين نفسه يلعب دور البطولة في هذه القصة الدماغية.

ليست المعركة الأولى.. القهوة والسرطان

هذه الأنباء السارة للدماغ تأتي في سياق بحثي أوسع يعيد الاعتبار للمشروبات الشعبية.

فقبل أكثر من عام، وتحديدًا في ديسمبر 2024، سلطت دراسة أخرى الضوء على فوائد محتملة للقهوة والشاي في معركة مختلفة تمامًا، سرطانات الرأس والرقبة.

الدراسة التي نُشرت حينها في دورية “السرطان” (Cancer)، والتي حللت بيانات من 14 دراسة غطت أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، وجدت أن الأشخاص الذين يشربون أكثر من أربعة أكواب من القهوة المحتوية على الكافيين يوميًا كان لديهم خطر أقل بنسبة 17% للإصابة بسرطانات الرأس والرقبة مقارنة بمن لا يشربونها.

وركزت النتائج بشكل خاص على انخفاض احتمالات الإصابة بسرطانات تجويف الفم والبلعوم الفموي (الجزء الخلفي من الحلق).

المثير للاهتمام في دراسة السرطان تلك، أنها وخلافًا لدراسة الخرف الحالية وجدت تأثيرًا إيجابيًا للقهوة “منزوعة الكافيين” أيضًا في تقليل خطر سرطان تجويف الفم، مما يوحي بأن هناك مركبات نشطة بيولوجيًا أخرى غير الكافيين تساهم في هذا التأثير المضاد للسرطان.

ومع ذلك، لم تكن أخبار الشاي في تلك الدراسة بنفس الوضوح والإيجابية المطلقة.

فبينما ارتبط شرب كوب واحد أو أقل يوميًا بانخفاض بنسبة 9% في احتمالات الإصابة بسرطانات الرأس والرقبة، ارتبط شرب “أكثر من كوب واحد” بزيادة مقلقة بنسبة 38% في خطر الإصابة بسرطان الحنجرة.

وقد فسر الباحثون هذه المفارقة بأن الشاي قد يزيد من احتمالية الإصابة بمرض ارتجاع المريء (Gastroesophageal Reflux Disease)، وهو عامل خطر معروف لسرطان الحنجرة، مما يضع محبي الشاي أمام معادلة دقيقة تتطلب الاعتدال.

فخ “السببية”.. هل القهوة هي السبب حقًا؟

رغم الحماس الذي قد تثيره هذه النتائج، يظل هناك “فيل في الغرفة” يجب الحديث عنه، وهو الفرق الجوهري بين “الارتباط” (Correlation) و”السببية” (Causality).

هل تحمي القهوة الدماغ فعلاً؟ أم أن الأشخاص الذين يتمتعون بصحة دماغية جيدة هم من يميلون لشرب القهوة؟

يشير الباحثون بوضوح إلى أن هذه الدراسات “رصدية”، أي أنها تراقب السلوك ولا تتدخل فيه.

وهنا تكمن مشكلة محتملة تعرف بـ “السببية العكسية”.

على سبيل المثال، من المعروف أن اضطرابات النوم تعد علامة مبكرة أو عامل خطر للتدهور المعرفي.

الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في النوم قد يتجنبون الكافيين طواعية ليتمكنوا من النوم بشكل أفضل.

بالتالي، قد نجد أن مجموعة “غير شاربي القهوة” تحتوي بالفعل على نسبة أكبر من الأشخاص المعرضين للخرف بسبب مشاكل النوم، وليس لأنهم امتنعوا عن القهوة.

يعلق نافيد ستار، أستاذ طب القلب والأيض في جامعة جلاسكو، بحذر شديد على هذه النتائج، موضحًا أن الحصول على اليقين في هذا المجال ليس بالأمر السهل.

الكافيين سيف ذو حدين؛ فهو يحتوي على مضادات أكسدة مفيدة، ويحفز النشاط والتعلم وممارسة الرياضة، ولكنه في الوقت نفسه قد يرفع ضغط الدم لدى البعض، وارتفاع ضغط الدم هو بحد ذاته محرك رئيسي للخرف.

يقول ستار “الكافيين يفعل أشياء متعددة، بعضها مفيد وبعضها قد يكون ضارًا، ولا يمكن تقدير التأثير الصافي أبدًا إلا من خلال تجربة عشوائية محكمة”.

ولكن، إجراء “تجربة عشوائية معيارية ذهبية” (Gold Standard Trial) أمر شبه مستحيل عمليًا؛ إذ يتطلب ذلك إجبار مجموعات من الناس على شرب القهوة أو الامتناع عنها لعقود طويلة لرصد النتائج، وهو ما لا يمكن تطبيقه أخلاقيًا أو لوجستيًا.

البديل المتاح، كما يقترح “يو تشانغ”، هو دراسة التغيرات البيولوجية التي تحدثها هذه المشروبات في الدماغ عبر الفحوصات والأشعة، لمحاولة فهم الآلية بشكل أدق.

ما وراء الفنجان.. نمط الحياة هو الحل

رغم الإغراء الكبير للاعتقاد بأن الحل لمشاكل الشيخوخة يكمن في قاع فنجان القهوة، يشدد العلماء على ضرورة وضع هذه النتائج في حجمها الطبيعي.

يقدر الباحثون أن حوالي نصف حالات الخرف حول العالم يمكن الوقاية منها أو تأخيرها، ليس عبر مشروب سحري، بل عبر معالجة عوامل خطر ملموسة؛ السمنة، التدخين، استهلاك الكحول المفرط، فقدان السمع، وارتفاع ضغط الدم.

يقول تشانغ في تصريحه لصحيفة الجارديان، واضعًا النقاط على الحروف “لا تفكر في القهوة أو الشاي كدرع سحري. الحفاظ على نمط حياة صحي، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم جيد.. كلها عوامل أكثر أهمية للحصول على صحة دماغية أفضل”.

إن الرسالة التي يبعث بها العلم اليوم ليست دعوة للإفراط في استهلاك المنبهات، بل هي دعوة لطمأنة أولئك الذين يستمتعون بعاداتهم الصباحية بأن ما يفعلونه قد يكون له فوائد خفية، شرط أن يأتي في سياق حياة متوازنة، خالية من التدخين، ومليئة بالحركة. فنجان القهوة قد يكون رفيقًا جيدًا في رحلة العمر، لكنه ليس القائد الذي يوجه الدفة؛ القائد هو خياراتك الصحية الشاملة كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى