الرابحون من الدمار.. شركات أمريكية تتنافس على إعمار غزة

بينما لا تزال غزة غارقة في آثار حرب مدمّرة امتدت لعامين، بدأت معركة أخرى تتشكّل بهدوء خلف الكواليس.
معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالعقود، وشبكات النفوذ، وخطط “اللوجستيات الإنسانية”.
فإعادة إعمار القطاع، التي تقدّرها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار، تحوّلت إلى هدف مغرٍ لشركات أميركية مقرّبة من دوائر القرار في واشنطن، في وقت لم تُحسم فيه بعد أي ترتيبات سياسية أو إدارية لمستقبل القطاع.
وفق تقرير نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، فإن شركات متعاقدة مع الحكومة الأميركية، وشخصيات ذات صلات مباشرة بإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بدأت منذ أشهر التنافس على السيطرة على عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار المحتملة في غزة، رغم غياب أي إطار قانوني أو مؤسسي يتيح توقيع عقود طويلة الأجل.
دمار واسع.. وكلفة فلكية
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقارب ثلاثة أرباع المباني في قطاع غزة تعرّضت لأضرار جسيمة أو دُمّرت بالكامل نتيجة الضربات الإسرائيلية المتواصلة.
هذا الحجم غير المسبوق من الدمار جعل من عملية إعادة الإعمار واحدة من أضخم عمليات البناء وإزالة الأنقاض في التاريخ الحديث.
لكن هذه العملية، على ضخامتها، تصطدم بواقع سياسي معقّد. فحتى اللحظة، لا توجد سلطة مدنية فاعلة تدير القطاع.
صحيح أن الأمم المتحدة أيدت مقترحًا أميركيًا بإنشاء “مجلس سلام” لإدارة غزة، برئاسة ترامب، إلا أن هذا المجلس لم يبدأ عمله فعليًا بعد، كما أن صلاحيات “مركز التنسيق المدني-العسكري” المستحدثة تظل محدودة للغاية.
في موازاة المسار الأممي، شكّل البيت الأبيض فريقًا خاصًا بغزة، يقوده جاريد كوشنر، صهر ترامب، إلى جانب ستيف ويتكوف وآريه لايتستون.
هذا الفريق يعمل، وفق مصادر تحدثت للجارديان، على وضع تصورات تفصيلية لإدارة المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، بمعزل نسبي عن المنظومة الدولية التقليدية.
الأكثر إثارة للانتباه أن شخصيتين عملتا سابقًا في “DOGE”، وهي المبادرة التي أطلقها إيلون ماسك لإعادة هيكلة الحكومة الأميركية وتقليص الوظائف الفدرالية، باتتا تلعبان دورًا محوريًا في هذه الخطط.
وقد جرى تداول عروض تقديمية (Slide Decks) تتضمن تصاميم لوجستية دقيقة، تشمل تسعير الخدمات، وتوقعات مالية، ومواقع محتملة لمستودعات ضخمة داخل وحول غزة.
فكرة بمليارات الدولارات
أحد هذه العروض، الذي اطّلعت عليه الجارديان، يقترح إنشاء نظام لوجستي جديد تحت مسمى “بنية إمداد غزة”، يقوم على تعيين “مقاول رئيسي” واحد يتولى تنظيم دخول الشاحنات إلى القطاع.
الخطة تقترح إدخال نحو 600 شاحنة يوميًا، مع فرض رسوم قدرها 2000 دولار على كل شحنة إنسانية، و12 ألف دولار على الشاحنات التجارية.
ووفق حسابات الصحيفة، فإن هذا النظام قد يدر على الجهة المشغّلة ما يصل إلى 1.7 مليار دولار سنويًا من رسوم النقل وحدها، إذا ما جرى تطبيقه بالكامل.
هذا الطرح أثار تساؤلات عميقة حول تحويل المساعدات الإنسانية إلى نشاط ربحي منظم، في منطقة يعاني سكانها من نقص حاد في الغذاء والدواء ومواد البناء.
من بين الشركات التي برز اسمها بقوة، شركة Gothams LLC، وهي مقاول أميركي فاز سابقًا بعقد بقيمة 33 مليون دولار لإدارة مركز احتجاز مهاجرين في جنوب فلوريدا، عُرف إعلاميًا باسم “ألكاتراز التماسيح”، حيث يُحتجز المهاجرون في خيام ومقطورات.
مصادر مطلعة أكدت للجارديان أن الشركة كانت تتمتع بـ“أفضلية داخلية” للفوز بعقد لوجستي ضخم في غزة، قد يكون الأضخم في تاريخها.
وقدّمت الشركة بالفعل مقترحًا رسميًا إلى “مجلس السلام” المستقبلي، تعرض فيه إنشاء نظام متكامل لإدارة تدفق المساعدات.
لكن بعد توجيه الصحيفة أسئلة تفصيلية حول طبيعة هذه الخطط، أعلن مؤسس الشركة، مات ميكلسن، تراجعه عن المشاركة، مبررًا قراره بمخاوف أمنية واحتمالات التعرض لانتقادات واسعة.
ميكلسن ليس اسمًا عاديًا في عالم التعاقدات الحكومية. فقد قدّم تبرعات كبيرة لسياسيين جمهوريين بارزين، من بينهم حاكم تكساس غريغ أبوت وحاكم فلوريدا رون ديسانتيس.
وخلال جائحة كورونا، حصلت شركته على مئات ملايين الدولارات من عقود حكومية لإدارة برامج طوارئ ومراكز احتجاز.
هذه الخلفية تعزز المخاوف من تكرار نماذج شهدها العالم في العراق وأفغانستان، حيث تحوّلت إعادة الإعمار إلى سوق مفتوحة لشركات خاصة، كثير منها حقق أرباحًا ضخمة وسط فوضى إدارية وغياب المساءلة.
من يقرر مستقبل غزة؟
في قلب هذه الخطط يقف شاب في الخامسة والعشرين من عمره، آدم هوفمان، خريج جامعة برينستون، والذي يعمل مستشارًا ضمن فريق غزة في البيت الأبيض.
مصادر عدة وصفته بأنه “العقل المحرك” لأحدث التصورات اللوجستية، رغم محدودية خبرته في العمل الإنساني.
هوفمان، المعروف بنشاطه السياسي المحافظ منذ سن مبكرة، كان من بين من صاغوا وثائق تصف آليات التحكم في تدفق السلع إلى غزة، في وقت لا يزال فيه دخول المساعدات خاضعًا لقيود إسرائيلية صارمة.
فعلى الرغم من اتفاق لوقف إطلاق النار ينص على دخول 600 شاحنة يوميًا، لم يتجاوز المعدل الفعلي في الأشهر الماضية نحو 140 شاحنة في اليوم.
منظمات إنسانية وشخصيات خيرية عبّرت عن استيائها من هذه المقاربات.
أمير خان، مؤسس مؤسسة خيرية أميركية تعمل على إيصال الأدوية إلى غزة، وصف الخطط بأنها “سطحية وعديمة الفهم”.
وقال إن من يقودونها “لا يملكون أي خبرة حقيقية في العمل الإنساني”، مشيرًا إلى غياب أي حديث جدي عن زيادة إمدادات الدواء أو المعدات الطبية.
تاريخيًا، لعبت الأمم المتحدة دورًا محوريًا في غزة، حيث وفّرت الغذاء والتعليم والرعاية الصحية لما يزيد على 80% من السكان.
واليوم، يبقى دورها المستقبلي غامضًا، في ظل سيطرة إسرائيل على تصاريح الدخول، وصعود دور المقاولين الربحيين.
إعادة إعمار أم إعادة إنتاج للأزمات؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت غزة مقبلة على عملية إعادة إعمار تُبنى على أسس إنسانية وتنموية، أم على نموذج اقتصادي يضع الربح في المقدمة.
فبينما يحلم سكان القطاع ببيوت آمنة وبنية تحتية صالحة للحياة، تبدو بعض الدوائر في واشنطن وكأنها تنظر إلى الدمار باعتباره “فرصة أعمال”.
في نهاية المطاف، ستحدد طبيعة الجهة التي تمسك بزمام الإعمار ملامح غزة لعقود مقبلة: هل ستكون مدينة قابلة للحياة لأكثر من مليوني فلسطيني، أم ساحة اختبار جديدة لتحالف المال والسياسة في أكثر مناطق العالم هشاشة؟



