حياة

الأمراض المناعية الذاتية.. لماذا تصيب النساء أكثر من الرجال؟

لم يعد الحديث عن الأمراض المناعية الذاتية مجرد نقاش علمي داخل غرف المختبرات، بل أصبح واقعًا يعيشه عشرات الملايين حول العالم، خصوصًا النساء، يتقاسمون معًا قصة واحدة؛ جهاز مناعي يُفترض به أن يحمي الجسم، لكنه فجأة يقرر أن ينقلب على صاحبه ويبدأ في مهاجمة أنسجة سليمة كما لو كانت عدوًا.

ورغم أن هذه المجموعة الواسعة من الأمراض تضم أكثر من 100 اسم مختلف، يربط بينها خيط واحد؛ خطأ في التعليمات الداخلية لجهاز المناعة. لكنه ليس مجرد خطأ عابر، بل اضطراب طويل الأمد يصعب تشخيصه، ويصعب التنبؤ بمساره، ويظل حتى اليوم واحدًا من أكثر حقول الطب تعقيدًا وغموضًا.

ورغم أن الأبحاث العلمية من الولايات المتحدة وأوروبا تشير إلى زيادة مطردة في معدلات هذه الأمراض خلال العقدين الماضيين، فإن الخبر الأكثر إثارة هو أن العلماء باتوا يقتربون أخيرًا من مرحلة يمكن فيها إعادة “تصحيح” جهاز المناعة بدلًا من مجرد تهدئته، وفق أسوشيتد برس.

حين يتحول الحارس إلى مهاجم

جوهر القصة يبدأ من جهاز المناعة، ذلك “الجيش الداخلي” الذي يعمل على مدار الساعة، ويحمل مهامًا تتراوح بين مراقبة أجسام غريبة، ومكافحة الجراثيم، واكتشاف الأورام قبل أن تنمو.

ولكي يعمل هذا الجيش بكفاءة، يحتاج إلى قدرة فائقة على التمييز بين ما هو “ذاتي” وما هو “غريب”. أي أنه يدرك بصورة بيولوجية دقيقة أن خلايا الجلد أو العضلات أو الأعصاب ليست هدفًا للهجوم.

لكن حين يفشل هذا النظام في التمييز، تبدأ المعركة داخل الجسم نفسه.

فالذئبة على سبيل المثال يمكن أن تضرب الجلد والمفاصل والرئتين والكلى معًا.

والتهاب المفاصل الروماتويدي قد يبدو في بدايته مجرد ألم مفاصل، لكنه قد يمتد ليؤثر على القلب والرئتين لاحقًا.

أما الوهن العضلي، فيستهدف نقطة حساسة للغاية؛ طريقة تواصل الأعصاب مع العضلات.

ورغم اختلاف الأسماء، يتفق المرضى على حقيقة واحدة؛ المرض متقلّب. قد يشعر المريض بتحسن ثابت لشهور، ثم تأتي “نوبة” شرسة بلا إنذار.

التشخيص… رحلة طويلة بلا لافتة واضحة

إحدى أكبر مشكلات الأمراض المناعية ليست في علاجها، بل في تشخيصها.

فالأعراض الأولى غالبًا مبهمة، وقد تتراوح بين إرهاق غير مفهوم، وآلام متنقلة، وطفح جلدي يظهر ويختفي، أو جفاف في العينين والفم.

ومع اشتراك الأمراض المختلفة في عدد كبير من الأعراض، تصبح مهمة الطبيب أشبه بتركيب أحجية معقدة.

وتشير تقارير طبية إلى أن رحلة التشخيص قد تستغرق من عامين إلى خمسة أعوام في بعض الحالات، وقد يتنقل المريض خلالها بين أطباء الروماتيزم والمناعة والأعصاب قبل أن يحصل على إجابة نهائية.

ويعود ذلك إلى أن معظم التحاليل حتى المتقدمة منها لا تقدم نتائج حاسمة دائمًا، وأن التشخيص يعتمد على استبعاد الأمراض الأخرى قبل الوصول إلى السبب الحقيقي.

هذه التحديات دفعت مؤسسات علمية مثل الجمعية الوطنية للتصلب المتعدد في الولايات المتحدة إلى وضع إرشادات جديدة تهدف إلى تسريع التشخيص وتقليل الأخطاء الشائعة.

لماذا يحدث هذا الخلل؟

تُجمع الأبحاث الحديثة المنشورة في دوريات مثل Nature وThe Lancet على أن السبب ليس واحدًا.

فغالبية الأمراض المناعية لا تنتج عن جين معطوب بعينه، بل عن مجموعة من الجينات التي تجعل الشخص أكثر استعدادًا.

هذا الاستعداد، وحده، لا يكفي لبدء المرض.

الشرارة غالبًا تأتي من “محفز بيئي”؛ عدوى فيروسية، تلوث، تدخين، أو حتى ضغط نفسي شديد.

والارتباط الأقوى الذي أثار ضجة علمية خلال السنوات الأخيرة كان بين فيروس Epstein-Barr ومرض التصلب المتعدد. 

فوفق دراسات أجرتها جامعات أمريكية، تكاد لا توجد حالة تصلب متعدد دون إصابة سابقة بهذا الفيروس المنتشر عالميًا.

في المقابل، يحقق العلماء تقدمًا لافتًا في اكتشاف دور “العدلات”، نوع من خلايا الدم البيضاء، والتي تفرط في نشاطها لدى مرضى الذئبة وعدد آخر من الأمراض، ما يحوّل دورها من الدفاع إلى الإضرار بالأنسجة.

لماذا النساء؟

من بين كل خمسة مرضى مناعة ذاتية، هناك أربع نساء.

هذا الانحياز البيولوجي الواضح حيّر العلماء لعقود، لكن النظريات الأكثر ترجيحًا اليوم تشير إلى عاملين رئيسيين.

الهرمونات الأنثوية، خصوصًا الإستروجين، الذي يرتبط بزيادة نشاط جهاز المناعة عمومًا.

وجود كروموسوم X إضافي، فالنساء يمتلكن اثنين من هذا الكروموسوم، ويبدو أن خللًا في “إيقاف” أحدهما داخل الخلية يزيد من احتمالات الإصابة.

لكن هذا لا يعني غياب الرجال عن المشهد.

مرض VEXAS، المكتشف مؤخرًا، يكاد يكون حكرًا على الرجال فوق الخمسين، ويأتي بأعراض شديدة تشمل جلطات وصعوبة تنفس وتعرقًا ليلًا.

العرق والجغرافيا يدخلان على الخط

تشير الأبحاث إلى أن العوامل العرقية والوراثية تلعب دورًا لا يمكن تجاهله.

الذئبة أكثر انتشارًا بين النساء السود واللاتينيات.

سكان شمال أوروبا لديهم أعلى معدلات التصلب المتعدد في العالم.

بعض أمراض العضلات المناعية أكثر شيوعًا بين الآسيويين.

هذه الفروقات لا تزال قيد الدراسة، لكنها تؤكد أن المناعة الذاتية ليست مجرد “مرض واحد”، بل منظومة معقدة تتفاعل فيها الجينات مع البيئة مع نمط الحياة.

العلاج… بين تهدئة النظام وإعادة برمجته

حتى وقت قريب، كانت الخيارات محدودة للغاية؛ ستيرويدات بجرعات مرتفعة، وأدوية مثبطة للمناعة بشكل شامل، تعالج الأعراض لكنها تحمل مخاطر العدوى والسرطان على المدى الطويل.

لكن العقد الأخير شهد انفجارًا في الأبحاث، ما أدى إلى ظهور علاجات تستهدف جزيئات دقيقة داخل جهاز المناعة، بدلًا من قمعه بالكامل.

بعض هذه الأدوية غيرت مسار أمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والصدفي بصورة كبيرة.

الخبر الأهم الآن هو أن العلماء بدأوا يقتربون من خطوة غير مسبوقة، وهي إعادة برمجة جهاز المناعة نفسه.

تجارب مبكرة في الولايات المتحدة أظهرت نتائج واعدة في علاج الذئبة عبر تقنيات تعتمد على تعديل الخلايا المناعية، وهي نفس التقنيات المستخدمة في علاج بعض أنواع السرطان.

كما أظهر دواء معتمد لمرض السكري النوع الأول قدرة على تأخير ظهور المرض لدى المعرضين له، ما فتح الباب أمام فكرة “تأخير المرض المناعي قبل أن يبدأ”.

سوق هذه العلاجات يتجاوز اليوم 100 مليار دولار سنويًا، وفق تقارير Morningstar، ولا يزال في توسع مستمر.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟

إذا استمرت التجارب العلمية على نفس الوتيرة، سيكون بإمكان الأطباء ولأول مرة ليس فقط التحكم في المرض، بل منع ظهوره لدى الأشخاص المعرضين للإصابة.

كما قد يصبح من الممكن “إعادة ضبط” جهاز المناعة لدى مرضى الذئبة أو التهاب العضلات، بدلًا من إعطائهم أدوية مدى الحياة.

ورغم أن الطريق طويل، فإن العلماء يجمعون على حقيقة واحدة، أننا نعيش اليوم أكثر الفترات تقدمًا في تاريخ علاج المناعة الذاتية، وربما أقرب من أي وقت مضى لفهم هذا العدو الخفي الذي يعيش داخل أجسادنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى