ارتفاع درجات الحرارة يقتل إنسانًا كل دقيقة حول العالم

في الوقت الذي تتسابق فيه الدول نحو النمو الاقتصادي والتطور الصناعي، تكشف تقارير علمية جديدة عن ثمن فادح يدفعه البشر نتيجة تجاهل أزمة المناخ.
تقرير شامل صدر مؤخرًا عن “ذا لانسيت كاونت داون” حول الصحة وتغير المناخ، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ومجموعة من وكالات الأمم المتحدة، ونشرته الجارديان، كشف أن الحرارة المرتفعة تقتل شخصًا واحدًا كل دقيقة حول العالم.
رقم صادم يلخص مأساة بشرية متصاعدة تُقاس الآن بالثواني.
التقرير، الذي شارك في إعداده 128 خبيرًا من أكثر من 70 مؤسسة أكاديمية وهيئة دولية، يُعدّ الأوسع من نوعه حتى الآن، إذ يتناول التأثيرات الصحية المباشرة وغير المباشرة للتغير المناخي.
ويشير إلى أن العالم يشهد اليوم ملايين الوفيات سنويًا بسبب فشل الحكومات في التعامل الجدي مع ظاهرة الاحتباس الحراري.
فالإدمان المستمر على الوقود الأحفوري لا يرفع حرارة الكوكب فحسب، بل يطلق سحبًا سامة من التلوث، ويغذي حرائق الغابات، ويسهم في انتشار أمراض قاتلة مثل حمى الضنك.
تقول الدكتورة مارينا رومانييلو، من كلية لندن الجامعية، والتي قادت التحليل: “هذه الصورة القاتمة لا يمكن إنكارها. الأضرار الصحية الناتجة عن أزمة المناخ تطال كل ركن من أركان العالم، وستستمر في التفاقم ما لم نضع حدًا لإدماننا على الوقود الأحفوري”.
وتضيف أن التأخر في الحد من الانبعاثات أو في التكيف مع التغير المناخي الذي بات أمرًا واقعًا، يؤدي إلى وفيات يمكن تفاديها كل عام.
وتنتقد بشدة تراجع بعض القادة والحكومات عن التزاماتهم البيئية، محذّرة من أن هذا “التراجع يضع الناس في مواجهة مباشرة مع الخطر”.
أرقام مرعبة: حرارة قاتلة واقتصاد ينهار
وفقًا للتقرير، ارتفعت نسبة الوفيات المرتبطة بالحرارة بنسبة 23% منذ تسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى متوسط 546 ألف وفاة سنويًا بين عامي 2012 و2021، أي ما يعادل وفاة واحدة كل دقيقة على مدار السنة.
ويشير البروفيسور أولي جاي من جامعة سيدني، أحد المشاركين في إعداد التقرير، إلى أن هذا الرقم “مذهل ومثير للقلق”.
ويضيف: “نحن نحاول باستمرار توعية الناس بأن الإجهاد الحراري يمكن أن يصيب الجميع، وأنه قد يكون مميتًا. المشكلة أن كثيرين لا يدركون أن كل وفاة بسبب الحرارة يمكن منعها”.
الحرارة لا تقتل فحسب، بل تعطل عجلة الاقتصاد أيضًا. فقد فقد العالم في عام 2024 وحده 639 مليار ساعة عمل نتيجة التعرض لدرجات حرارة مرتفعة، وهو ما يمثل خسائر تعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأقل نموًا.
الزراعة والبناء كانتا من أكثر القطاعات تضررًا، حيث أجبر ارتفاع الحرارة العمال على التوقف عن العمل لفترات طويلة حفاظًا على حياتهم.
وفي المقابل، تكشف المفارقة الصادمة أن الحكومات حول العالم أنفقت في عام 2023 نحو 956 مليار دولار على دعم الوقود الأحفوري، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار يوميًا، بينما فقد الناس المبلغ ذاته تقريبًا بسبب توقفهم عن العمل بفعل الحرارة.
مفارقات قاتلة
رغم أن التلوث الناتج عن احتراق الفحم تراجع في السنوات العشر الأخيرة، ما أنقذ نحو 400 شخص يوميًا، فإن الاتجاه العام ما زال ينذر بالخطر.
فاستمرار تمويل الوقود الأحفوري يجعل مستقبلًا صحيًا مستحيلًا، بحسب الباحثين.
وتقول رومانييلو إن العالم يعيش “حالة إنكار جماعي” تجاه ما يحدث. فبينما تشهد الأرض مزيدًا من موجات الحر، والفيضانات، والحرائق، ما زالت الشركات النفطية توسع إنتاجها، والبنوك التجارية تضخ مليارات جديدة في القطاع نفسه.
ففي عام 2024 وحده، استثمرت أكبر 40 مؤسسة مالية في العالم نحو 611 مليار دولار في قطاع الوقود الأحفوري، وهو أعلى رقم خلال خمس سنوات، بينما لم تتجاوز قروضها للقطاعات الخضراء 532 مليار دولار.
والنتيجة انبعاثات متوقعة من ثاني أكسيد الكربون تعادل ثلاثة أضعاف الحد المسموح به لتحقيق هدف اتفاق باريس بالمحافظة على ارتفاع الحرارة العالمية دون 1.5 درجة مئوية.
الصحة في مواجهة رأس المال
التقرير يشير أيضًا إلى أن 15 دولة أنفقت على دعم الوقود الأحفوري أكثر مما أنفقته على ميزانيات الصحة العامة.
وفي المقابل، كان التمويل المخصص لمساعدة الدول الأكثر تأثرًا بالمناخ في قمم الأمم المتحدة لا يتجاوز 300 مليار دولار سنويًا، أي أقل بثلاث مرات من الدعم الموجه للوقود الأحفوري.
وتعلق لورا كلارك، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “كلاينت إيرث” القانونية البيئية، بالقول: “نحن نعيش الآن عصر عواقب المناخ. موجات الحر، الفيضانات، الجفاف، والأوبئة لم تعد تحذيرات مستقبلية، بل واقعًا نعيشه اليوم. المساءلة لم تعد مسألة ’هل ستحدث؟‘ بل ’متى ستحدث؟‘”.
كوكب يختنق
لا تقتصر الكارثة على الحرارة المباشرة فقط، فالتقرير يوضح أن استمرار حرق الوقود الأحفوري يزيد من تلوث الهواء، ما يؤدي إلى ملايين الوفيات سنويًا.
كما تسهم حرائق الغابات المتزايدة، الناتجة عن الجفاف والحرارة، في وفاة أعداد قياسية، وصلت إلى 154 ألف شخص في عام 2024 بسبب الدخان الناتج عنها وحده.
النتائج الزراعية كارثية كذلك، إذ تضررت المحاصيل والثروة الحيوانية على نطاق واسع، ما أدى إلى زيادة عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنحو 123 مليون شخص في عام 2023 مقارنة بمتوسط العقود الماضية.
ويؤكد التقرير أن السنوات الأربع الأخيرة شهدت ارتفاعًا قياسيًا في عدد الأيام شديدة الخطورة، حيث تعرّض الإنسان العادي في مختلف مناطق العالم إلى 19 يومًا من الحرارة المهددة للحياة سنويًا، منها 16 يومًا ما كانت لتحدث لولا النشاط البشري الذي تسبب في ارتفاع درجة حرارة الأرض.
الأمل في المجتمعات المحلية
رغم الصورة القاتمة، يرى الخبراء أن الأمل لم يمت بعد. فالحلول موجودة من الطاقة النظيفة إلى أنظمة المدن القادرة على التكيّف مع المناخ، مرورًا بـأنماط التغذية الصحية المتوافقة مع البيئة.
تقول رومانييلو إن بصيص الأمل يأتي من المجتمعات المحلية والسلطات الصحية التي تتعامل مباشرة مع الناس.
وتضيف “هؤلاء يرون التأثيرات بأعينهم، ويتحركون لأنهم لم يعودوا قادرين على إنكار الواقع. المبادرات الصغيرة قد تكون شرارة التغيير الحقيقي، لكننا بحاجة إلى الحفاظ على الزخم”.
التقرير يضع الكرة في ملعب الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى، مطالبًا بوقف تمويل الوقود الأحفوري فورًا، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع الطاقة المتجددة والابتكار المناخي.
فكما يقول الباحثون “مستقبل صحي للإنسان غير ممكن إذا استمرت البنوك والشركات في تغذية الصناعات التي تدمّر الكوكب”.
في النهاية، تبدو الأرقام مرعبة والحقائق صادمة، لكن الرسالة التي يوجّهها التقرير واضحة، أن ما نعتبره أزمة بيئية هو في جوهره أزمة إنسانية وصحية.
كل دقيقة تمر تشهد وفاة إنسان بسبب حرارة كان يمكن تجنبها. وبينما يواصل العالم سباقه الاقتصادي نحو المستقبل، تواصل الأرض عدّ ضحاياها بصمت، ضحية كل دقيقة.



