إدمان السوشيال ميديا.. لماذا لا نتذكر ما نشاهده؟

في لحظة مألوفة لكثيرين، يفتح المستخدم هاتفه بنيّة “استراحة سريعة”، ثم يجد نفسه بعد نصف ساعة، أو أكثر، غارقًا في مقاطع قصيرة لا يتذكر معظمها.
هذه الحلقة المتكررة، التي باتت تُعرف عالميًا بـ“التمرير القهري” أو doomscrolling، لم تعد مجرد سلوك عابر، بل ظاهرة يومية تتداخل مع العمل والنوم والعلاقات.
ومع ذلك، يظهر اليوم تيار غير متوقع يحاول كسر هذه الحلقة من داخل المنصات نفسها، مؤثرون يدعون إلى التوقف عن التمرير.
من بين هؤلاء، تبرز Olivia Yokubonis، صانعة محتوى تُعرف على الإنترنت باسم Olivia Unplugged.
تظهر مقاطعها فجأة في الخلاصات، بصوت هادئ ونبرة أقرب إلى الهمس، لتطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مُربك “هل تتذكر الفيديو الذي شاهدته قبل مقطعين؟”.
السؤال لا يهاجم المستخدم ولا يُدينه؛ لكنه يكشف فجوة الذاكرة التي يخلّفها التمرير المتواصل، ويقترح ضمنيًا أن الوقت قد حان لإغلاق التطبيق.
هذه المقاطع، التي تحصد ملايين المشاهدات، لا تعدُ المشاهدين بحلول سحرية. هي تدخل، للحظات، في قلب الدوامة لتذكيرهم بأنهم داخلها.، حسب أسوشيتد برس.
المفارقة أن الدعوة إلى “الخروج” لا بد أن تُقال من “الداخل”. تقول يوكوبونيس إن التعليقات الساخرة التي تتهمها بالتناقض تتجاهل هذه الحقيقة “أين يمكنني أن أجدك إن لم يكن هنا؟”.
لماذا نصدم حين نرى أرقام وقت الشاشة؟
الإحساس بالذنب المرتبط باستخدام الهاتف ليس جديدًا. لكن ما يتغير اليوم هو الأدلة.
يشير Ofir Turel، أستاذ نظم المعلومات بجامعة ملبورن، إلى أن كثيرين “يُصابون بصدمة حقيقية” عندما يطّلعون على بيانات وقت الشاشة الخاصة بهم. في تجاربه البحثية.
أدى عرض هذه البيانات وحده إلى تقليل الاستخدام طوعًا لدى عدد ملحوظ من المشاركين.
المغزى هنا ليس شيطنة التكنولوجيا، بل إزاحة الحجاب عن السلوك. فالكثيرون يعتقدون أنهم “يسيطرون” على وقتهم، إلى أن تكشف الأرقام عكس ذلك.
عندها، يصبح التدخل البسيط مثل مقطع يظهر في منتصف الخلاصة بمثابة جرس إنذار.
“التدخل من الداخل”.. هل ينجح حقًا؟
لا يقتصر هذا التيار على صوت واحد. ثمة طيف واسع من صانعي المحتوى الذين يذكّرون المستخدمين بإغلاق التطبيقات، بعضهم حادّ ومباشر، وبعضهم لطيف ومقتضب.
السؤال الذي يطرحه الباحثون هو هل هذا النوع من المحتوى فعّال بما يكفي لإحداث تغيير سلوكي؟
يرى Ian A. Anderson، الباحث ما بعد الدكتوراه في معهد كاليفورنيا للتقنية، أن الفكرة مثيرة للاهتمام لكنها تعتمد على “درجة الانتباه”.
فالتدخل قد ينجح إذا كان المستخدم حاضر الذهن، لكنه قد يمر مرور الكرام لدى من يمرّر بعادة آلية لا واعية.
ومع ذلك، يصف أندرسون هذه المقاربة بأنها “محاولة ذكية للتدخل من الداخل”، حتى لو اختلفت نتائجها من شخص لآخر.
هل إدمان السوشيال ميديا مصطلح دقيق؟
هنا ينفتح نقاش أعمق. يتفق الباحثون على أن الإفراط في الاستخدام مشكلة حقيقية، لكنهم يختلفون حول توصيفها كـ“إدمان”.
فالمفهوم السريري للإدمان يتطلب أعراضًا محددة، مثل الرغبة القهرية والانسحاب.
في دراسة حديثة، وجد أندرسون أن نسبة معتبرة من مستخدمي إنستغرام يعتقدون أنهم “مدمنون”، بينما لا تنطبق المعايير السريرية إلا على نسبة أقل بكثير.
المفارقة أن الاعتقاد بالوقوع في الإدمان قد يُضعف القدرة على التحكم، لأنه يدفع الفرد إلى لوم الذات بدل تعديل البيئة الرقمية المحيطة به.
بعبارة أخرى، قد يكون التشخيص الشعبي أشد قسوة من الواقع، وأقل فائدة في تغيير السلوك.
حلول صغيرة وتأثيرات ملموسة
حين يتعلق الأمر بالتقليل من وقت الشاشة، لا يقترح الباحثون إجراءات راديكالية بالضرورة.
يوصي أندرسون بما يسميه “التدخلات الخفيفة”، مثل نقل أيقونة التطبيق إلى مكان أقل بروزًا، إيقاف الإشعارات، أو إبقاء الهاتف خارج غرفة النوم. هذه تغييرات بسيطة، لكنها تعيد تشكيل العادات اليومية.
في المقابل، تعتمد المنتجات والخدمات التي تعد بالمساعدة على وعي المستخدم ورغبته المسبقة في التغيير.
هنا يأتي دور صانعي المحتوى مرة أخرى من خلال زرع بذرة الوعي قبل البحث عن الحل.
من نقد الخوارزميات إلى بناء بدائل
تمثل Cat Goetze نموذجًا مختلفًا داخل هذا المشهد. تُعرف على الإنترنت باسم CatGPT، وتقدّم محتوى يشرح، بلا وعظ، كيف صُممت المنصات لزيادة زمن البقاء.
خبرتها التقنية قادتها إلى استنتاج بسيط، وهو أن المسألة ليست “ضعف إرادة”.
تقول جويتزه إن “جيشًا من المهندسين” يعمل ليلًا ونهارًا لتحسين الالتصاق بالمنصة.
ومن هذا الإدراك، انتقلت من الشرح إلى الفعل، فأطلقت مشروع Physical Phones، وهو هواتف أرضية متصلة بالهواتف الذكية عبر البلوتوث، لتقليل التفاعل المباشر مع الشاشات.
داخل علبة المنتج عبارة لافتة “الانفصال هو الرفاهية الجديدة”.
لا يدّعي هذا التيار أن الخروج الكامل من السوشيال ميديا ممكن أو مرغوب.
تؤكد جويتزه أن الهدف ليس الإلغاء، بل التوازن؛ تقليص متوسط وقت الشاشة من عشر ساعات إلى ساعة، أو من ثلاث ساعات إلى نصف ساعة. هذا وحده، برأيها، مكسب فردي ومجتمعي.
في هذا السياق، تبدو مقاطع “مناهضة التمرير” أقل تناقضًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
هي ليست دعوة للانسحاب من العالم الرقمي، بل محاولة لاستعادة agency الفرد داخل منظومة مصممة لابتلاعه.
وربما، كما تشير ملايين المشاهدات، فإن هذا التذكير العابر، الذي يأتي في قلب الدوامة، هو بالضبط ما يحتاجه كثيرون.



