تريند

هل يهدد اعتراف إسرائيل بصوماليلاند الأمن القومي المصري؟

في السياسة، لا تأتي الأخطار دائمًا في صورة صدام مباشر أو إعلان حرب، أحيانًا تولد التهديدات الحقيقية من تحركات تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة جغرافيًا أو هامشية دبلوماسيًا.

إعلان إسرائيل اليوم الاعتراف بإقليم صوماليلاند يندرج ضمن هذا النوع من التحركات التي تحمل آثارًا مركبة على توازنات الإقليم، وعلى رأسها الأمن القومي المصري.

ما علاقة إقليم غير معترف به دوليًا، يقع في القرن الأفريقي، بالأمن القومي لدولة بحجم مصر؟ والإجابة أن الجغرافيا السياسية لا تقاس بالمسافة وحدها، بل بمفاتيح الملاحة، وخطوط الطاقة، وشبكات النفوذ المتداخلة.

وفي هذه الزاوية تحديدًا، تصبح صوماليلاند نقطة ارتكاز حساسة في معادلة البحر الأحمر وباب المندب، أي قلب المجال الحيوي المصري.

أول اعتراف منذ 34 عامًا

أعلنت إسرائيل اليوم الاعتراف بصوماليلاند كدولة ذات سيادة، لتكون بذلك أول دولة تعترف بها، وهو إنجاز كبير في سعيها للحصول على اعتراف دولي منذ إعلان استقلالها عن الصومال قبل 34 عامًا.

في وقت، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، اليوم الجمعة، أن إسرائيل وصوماليلاند وقعتا اتفاقية لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، والتي ستشمل فتح سفارات وتعيين سفراء.

وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن الإعلان جاء “بروح” اتفاقيات أبراهام، وهي سلسلة من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل ومعظم الدول العربية التي تم توقيعها في عام 2020.

ونشرت إسرائيل فيديو لبنيامين نتنياهو يتحدث فيه عبر مكالمة فيديو مع رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله، دعاه فيه لزيارة إسرائيل ووصف الصداقة بين البلدين بأنها “تاريخية”. وقال عبد الله إنه “سيسعد بزيارة القدس في أقرب وقت ممكن”.

تحرك مصري سريع

عقب إعلان إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا نددت فيه بالخطوة، ليست وحدها.

حسب البيان، تلقى وزير الخارجية بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية من وزراء خارجية جمهورية الصومال وتركيا وجيبوتي، تناولت “تطورات الأوضاع الخطيرة الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي”.

أكد الوزراء، وفق البيان الرفض التام وإدانة اعتراف اسرائيل باقليم أرض الصومال.

وشددوا على الدعم الكامل لوحدة وسيادة وسلامة الأراضي الصومالية، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية من شأنها المساس بالسيادة الصومالية أو تقويض أسس الاستقرار في البلاد.

كذلك شددوا على دعم مؤسسات الدولة الصومالية الشرعية، ورفض أي محاولات لفرض كيانات موازية تتعارض مع وحدة الدولة الصومالية.

كما جرى خلال الاتصالات، حسب البيان، التأكيد على أن الاعتراف باستقلال أجزاء من أراضي الدول يُعد سابقة خطيرة وتهديدًا للسلم والأمن الدوليين وللمبادئ المستقرة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

الدفاع المشترك

في أغسطس 2024، وقعت الصومال اتفاقية دفاع مشترك مع مصر، سبقها في فبراير اتفاقية مشابهة مع تركيا، تتضمن دعم الأصول البحرية للدولة الواقعة في القرن الأفريقي، و”ردع” جهود إثيوبيا لتأمين الوصول إلى البحر عن طريق منطقة أرض الصومال.

وقتها رأى محللون أن القاهرة تضع نصب عينيها في المقام الأول الاتفاق بين إثيوبيا مع “أرض الصومال” يناير الماضي، والذي أثار انتقادات واسعة.

الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال يسمح لإثيوبيا باستئجار 19 كم من الساحل الصوماليلاندي لإنشاء قاعدة بحرية ومنشآت تجارية مقابل أن تنظر إثيوبيا في الاعتراف بها كدولة مستقلة.

ومن ثمَّ سعت القاهرة بشكل مباشر لتعزيز علاقاتها العسكرية مع الصومال بشكل خاص ومنطقة القرن الإفريقي بشكل عام؛ لمواجهة ما يمثله الاتفاق الإثيوبي من تهديدات لمصالحها وأمنها القومي.

وسبق أن أكد الرئيس السيسي لنظيره الصومالي، موقف مصر الداعم لوحدة وسيادة الصومال على أراضيه، والرافض لأي تدخل في شؤونه الداخلية، ومواصلة العمل على إرساء الأمن والاستقرار في منطقة القرن الإفريقي.

وسبق أن كشف الرئيس الصومالي أن بلاده طلبت من مصر توفير معدات عسكرية والتدريب الإضافي للقوات العسكرية والأمنية الصومالية، فضلاً عن الدعم الدبلوماسي وسط التوترات المتنامية مع إثيوبيا.

صوماليلاند.. إقليم بلا اعتراف وموقع لا يمكن تجاهله

صوماليلاند أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991، عقب انهيار الدولة المركزية في مقديشو.

ومنذ ذلك الحين، نجحت في بناء مؤسسات محلية مستقرة نسبيًا مقارنة بمحيطها المضطرب، لكنها ظلت خارج منظومة الاعتراف الدولي.

هذا الوضع “الرمادي” هو ما يجعل الإقليم قابلًا للاستخدام كمساحة نفوذ مرنة لقوى تبحث عن موطئ قدم دون كلفة سياسية عالية.

الأهمية الحقيقية لصوماليلاند لا تكمن في حجمها السكاني أو الاقتصادي، بل في شريطها الساحلي الطويل على خليج عدن، مقابل واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة المتجهة إلى أوروبا وآسيا.

لماذا تهتم إسرائيل بالقرن الأفريقي؟

الاهتمام الإسرائيلي بالقرن الأفريقي ليس جديدًا. منذ ستينيات القرن الماضي، سعت تل أبيب إلى بناء شبكة علاقات مع دول غير عربية تطوق العالم العربي جغرافيًا، في إطار ما عُرف بسياسة “شد الأطراف”.

في السياق المعاصر، أعادت المتغيرات الإقليمية إحياء هذا التوجه، لكن بأدوات أكثر تطورًا، تعاون أمني، تكنولوجيا مراقبة، حضور استخباراتي، واستثمارات في الموانئ والبنية التحتية.

بالنسبة لإسرائيل، يمثل القرن الأفريقي منصة استراتيجية تحقق عدة أهداف في آن واحد، مراقبة خطوط الملاحة في البحر الأحمر، تأمين حركة التجارة الإسرائيلية، وموازنة النفوذ الإيراني المتزايد في بعض مناطق البحر الأحمر، إضافة إلى بناء أوراق ضغط غير مباشرة على دول مركزية في الإقليم، من بينها مصر.

باب المندب: الخاصرة الجنوبية للأمن القومي المصري

تاريخيًا، ارتبط الأمن القومي المصري بثلاث دوائر جغرافية رئيسية، وادي النيل، المشرق العربي، والبحر الأحمر.

مضيق باب المندب هو الامتداد الطبيعي للدائرة الأخيرة. أي خلل في أمن هذا المضيق ينعكس مباشرة على قناة السويس، التي تمثل شريانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لمصر.

وجود طرف ذي قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، مثل إسرائيل، في الضفة المقابلة للمضيق، أو في نطاقه الحيوي، يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة.

فحتى دون انتشار عسكري معلن، تكفي منظومات الرصد والمراقبة والتأثير غير المباشر لإعادة تشكيل ميزان القوة في هذا الممر الحيوي.

من الموانئ إلى الاستخبارات

التهديد هنا لا يعني بالضرورة مواجهة عسكرية. الأخطر هو ما يمكن وصفه بـ”التحكم الرمادي”، أي قدرة قوة خارجية على جمع المعلومات، التأثير في حركة الملاحة، أو امتلاك خيارات تعطيل محدودة لكنها فعالة في أوقات الأزمات.

إذا حصلت إسرائيل على تسهيلات في موانئ صوماليلاند، أو أسهمت في تطويرها أمنيًا، فإن ذلك يمنحها قدرة إضافية على مراقبة السفن العابرة، بما فيها السفن المصرية أو المتجهة إلى الموانئ المصرية.

كما يتيح لها موقعًا متقدمًا في معادلة أمن البحر الأحمر، التي باتت مسرحًا لتنافس دولي وإقليمي متصاعد.

التداخل مع ملف سد النهضة والقرن الأفريقي

لا يمكن فصل أي تحرك إسرائيلي في القرن الأفريقي عن السياق الأوسع لعلاقات القوى الإقليمية هناك، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي.

صحيح أنه لا توجد دلائل معلنة على تنسيق مباشر بين إسرائيل وأطراف هذا الملف ضد مصر، لكن السياسة لا تُدار فقط عبر النوايا المعلنة.

تعزيز النفوذ الإسرائيلي في محيط القرن الأفريقي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى بيئة استراتيجية تعاني أصلًا من هشاشة وتعدد لاعبين.

بالنسبة لمصر، هذا يعني تضييق هامش المناورة، وزيادة عدد الفاعلين القادرين على التأثير في ملفات تمس أمنها المائي والبحري.

البحر الأحمر يتحول إلى ساحة تنافس مفتوح

خلال السنوات الأخيرة، تحول البحر الأحمر من ممر تجاري هادئ نسبيًا إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية.

قواعد عسكرية، اتفاقيات أمنية، ومبادرات “حماية الملاحة” باتت جزءًا من المشهد اليومي. في هذا السياق، فإن اعتراف إسرائيلي بصوماليلاند لا يمكن عزله عن هذا السباق المحموم.

المخاوف المصرية لا تتعلق فقط بإسرائيل كدولة، بل بسابقة سياسية قد تشجع قوى أخرى على تجاوز الاعتبارات العربية والأفريقية التقليدية، والتعامل مع أقاليم انفصالية كأمر واقع، بما يفتح الباب أمام مزيد من التفتيت وعدم الاستقرار في محيط استراتيجي بالغ الحساسية.

كيف تقرأ القاهرة هذا التحرك؟

من منظور مصري، القضية لا تُختزل في بيان دبلوماسي أو اعتراف رسمي، بل في المسار طويل الأمد.

القاهرة تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وليس مجرد ممر ملاحي بعيد.

لذلك، فإن أي تغيير في خريطة النفوذ على ضفافه، خاصة في مداخله الجنوبية، يُقابل بحساسية عالية.

لذلك فإن التحرك الإسرائيلي تجاه صوماليلاند يُقرأ في القاهرة كجزء من إعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم، وليس كخطوة منفصلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى