تريند

ما يجب معرفته حول المظاهرات الإيرانية والتدخل الأمريكي المحتمل

منذ أسابيع، تعيش إيران واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا منذ سنوات.

احتجاجات واسعة النطاق، بدأت بدوافع اقتصادية واضحة، تحولت سريعًا إلى تحدٍّ سياسي مباشر للنظام، في وقتٍ يتعرض رأس السلطة في طهران لضغوط داخلية وخارجية متزامنة.

ومع ارتفاع عدد الضحايا واتساع رقعة القمع وقطع الإنترنت، دخل عامل جديد على خط الأزمة، إشارات متزايدة من واشنطن، وتحديدًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى استعداد محتمل للتدخل دعمًا للمتظاهرين.

هذا التداخل بين الشارع الإيراني والسياسة الأميركية يفتح أسئلة كبرى حول حدود التدخل، وأدواته، وتداعياته على الداخل الإيراني وعلى الإقليم ككل.

شرارة اقتصادية تتحول إلى تحدٍ سياسي

انطلقت الاحتجاجات في الأساس من غضب شعبي متراكم على الأوضاع المعيشية.

العقوبات الثقيلة، واعتماد إيران الكبير على الواردات، أدّيا إلى تضخم متسارع وانهيار غير مسبوق في قيمة العملة المحلية.

في أواخر ديسمبر، سجّل الريال الإيراني مستوى قياسيًا منخفضًا، ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، ودفع تجارًا وعمّالًا إلى الشوارع في طهران ومدن أخرى.

لكن ما لبثت الهتافات أن تجاوزت المطالب الاقتصادية، لتشمل شعارات سياسية تمسّ جوهر النظام.

هذا التحول مثّل لحظة إنذار حقيقية للسلطة، لأن الاحتجاجات لم تعد محصورة في فئة اجتماعية بعينها، ولا في مدينة واحدة، بل امتدت إلى عشرات المدن في جميع المحافظات تقريبًا.

أرقام دامية وواقع معتم

بحسب Human Rights Activist News Agency (HRANA)، قُتل أكثر من 540 شخصًا منذ اندلاع الاحتجاجات، بينهم مئات المتظاهرين، إضافة إلى عناصر من قوات الأمن ومدنيين، وحتى أطفال.

كما تشير تقارير الوكالة إلى اعتقال أكثر من 10,600 شخص، ونقلهم إلى مراكز احتجاز وسجون في مختلف أنحاء البلاد.

هذه الأرقام، التي لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل بسبب القيود الصارمة على الإعلام، تعكس مستوى غير مسبوق من العنف.

وفي محاولة لعزل الداخل عن الخارج، أقدمت السلطات على قطع الإنترنت وخدمات الهاتف على نطاق واسع، ما صعّب نقل صورة دقيقة لما يجري، وزاد من المخاوف بشأن انتهاكات قد تبقى طي الكتمان.

في هذا السياق، طالبت بعثة أممية معنية بحقوق الإنسان إيران بإعادة خدمات الإنترنت فورًا ووقف استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، في موقف يعكس تنامي القلق الدولي من مسار الأحداث.

واشنطن تدخل المشهد.. من التصريحات إلى التهديدات

في خضم هذا التصعيد، لفتت واشنطن الأنظار بتصريحات متزايدة الحدة.

قال الرئيس الأميركي إن إدارته “مستعدة للمساعدة” في دعم المحتجين، في لهجة بدت أكثر تقدمًا من المواقف الأميركية السابقة، التي اكتفت غالبًا بالإدانة اللفظية أو فرض عقوبات.

قبل ذلك بأيام، كان ترامب قد كتب على منصته “تروث سوشيال” أن الولايات المتحدة “مستعدة للتحرك” إذا أقدم النظام الإيراني على قتل المتظاهرين بعنف.

هذه الرسائل فسّرها مراقبون على أنها محاولة لزيادة الضغط النفسي والسياسي على طهران، دون الوصول بالضرورة إلى تدخل عسكري مباشر.

في المقابل، سارعت القيادة الإيرانية إلى التحذير من عواقب أي تدخل.

فقد هدّد رئيس البرلمان الإيراني بأن القوات الأميركية، وكذلك إسرائيل، ستُعد “أهدافًا مشروعة” في حال أقدمت واشنطن على خطوات تتجاوز الدعم السياسي.

رغم التصعيد العلني، تشير معلومات إلى وجود اتصالات غير مباشرة خلف الكواليس.

فقد تواصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لخفض التوتر أو كسب الوقت.

بالتوازي، لوّحت طهران مجددًا بإمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات النووية، في مسعى واضح لفتح مسار دبلوماسي يخفف الضغوط المتراكمة.

إلا أن هذه الإشارات لم تُقنع بعد الشارع الغاضب، ولا صقور السياسة في واشنطن.

قيادة منهكة وسلطة متآكلة

تأتي هذه الاحتجاجات في لحظة ضعف غير معتادة للنظام الإيراني. فالحرب القصيرة مع إسرائيل في وقت سابق من العام، وما رافقها من ضربات أميركية استهدفت منشآت نووية، تركت آثارًا عميقة على القدرات العسكرية والرمزية للدولة.

قُتل قادة بارزون، وتعرضت منظومات دفاعية لضربات موجعة، وتقلص مخزون الصواريخ.

في قلب هذا المشهد يقف المرشد الأعلى علي خامنئي البالغ من العمر 86 عامًا، والذي غاب عن الأنظار لأيام خلال تلك المواجهات، ما أثار تساؤلات حول وضعه الصحي ومستقبل الخلافة في نظام لا يملك آلية انتقال واضحة للسلطة.

أما الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان، فيواجه قيودًا بنيوية تحدّ من قدرته على تقديم تنازلات جوهرية تلبي مطالب الشارع، وهو ما يعمّق الفجوة بين السلطة التنفيذية وتوقعات المحتجين.

عزلة خارجية وتراجع نفوذ إقليمي

على الصعيد الخارجي، تبدو إيران أكثر عزلة من أي وقت مضى.

حلفاؤها التقليديون إما منشغلون بأزماتهم الخاصة، كما هو حال روسيا، أو يفضّلون خطابًا حذرًا يدعو إلى “الاستقرار” دون تقديم دعم فعلي، كما تفعل الصين.

في الإقليم، تراجع نفوذ طهران بعد الضربات التي طالت حلفاءها في لبنان وغزة واليمن وسوريا، ما حدّ من قدرتها على استخدام أوراق الضغط التقليدية.

وفي سبتمبر الماضي، أعادت الأمم المتحدة فرض عقوبات واسعة شملت تجميد أصول ومنع صفقات تسليح، في ظل مخاوف متجددة من البرنامج النووي الإيراني.

هل التدخل الأميركي وارد فعلاً؟

رغم لهجة التهديد، لا يرى كثير من المحللين أن سيناريو تدخل عسكري أميركي مباشر على غرار فنزويلا بات وشيكًا.

فالتجربة التاريخية، خاصة الانقلاب المدعوم أميركيًا عام 1953، ما تزال حاضرة في الذاكرة الإيرانية، وأي خطوة خاطئة قد توحّد الشارع خلف النظام بدل إضعافه.

حتى داخل واشنطن، سعى مشرّعون إلى تهدئة التوقعات، مشيرين إلى أن الهدف الأساسي للإدارة الأميركية هو تغيير سلوك النظام، لا إسقاطه، عبر الضغط لانتزاع تنازلات في ملفات مثل التخصيب النووي وبرنامج الصواريخ.

تواجه إيران اليوم لحظة شديدة الخطورة. الشارع يغلي، والاقتصاد ينهار، والقيادة تحت ضغط داخلي وخارجي غير مسبوق.

في المقابل، تبدو خيارات النظام محدودة، فالقمع يحمل مخاطر انفجار أكبر، والتنازلات قد تُفسَّر ضعفًا، والتصعيد الخارجي قد يفتح أبواب مواجهة لا تُحمد عقباها.

ويتفق كثير من المراقبين على أن التغيير الحقيقي، إن حدث، سيأتي من الداخل الإيراني نفسه.

أما التدخلات الخارجية، فمهما بدت مغرية للبعض، تبقى سيفًا ذا حدين في بلد خبر تاريخيًا كلفة الصراعات بالوكالة والتدخلات الأجنبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى